
تحرير: جيهان مشكور
هل يربح المغرب من الحرب التجارية بين الصين وأوروبا
لا توجد استثمارات بريئة ولا تحالفات دائمة،في الاقتصاد العالمي، بل مصالح تتغير بتغير موازين القوى، ومن هذا المنطلق، يصعب النظر إلى التدفق غير المسبوق للاستثمارات الصينية نحو المغرب باعتباره مجرد اختيار صناعي عادي، بقدر ما يعكس تحولات عميقة فرضتها الحرب التجارية المتصاعدة بين بكين والاتحاد الأوروبي، والتي وضعت المملكة في قلب لعبة اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حدودها.
فبينما يروج المغرب لنفسه كمنصة صناعية عالمية قادرة على جذب كبريات الشركات، ترى دوائر أوروبية متزايدة أن الرباط قد تتحول إلى محطة عبور للمنتجات الصينية نحو السوق الأوروبية، في محاولة للالتفاف على الرسوم الجمركية التي فرضتها بروكسل على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين.. وبين الرؤيتين، يجد المغرب نفسه أمام فرصة استثنائية… لكنها ليست خالية من المخاطر.
المغرب… ورقة رابحة في سباق النفوذ العالمي
تكشف الأرقام أن العلاقات الاقتصادية المغربية الصينية لم تعد هامشية، فقد ارتفع حجم المبادلات التجارية من أكثر من 9 مليارات دولار خلال سنة 2024 إلى ما يقارب 11 مليار دولار خلال 2025، لتصبح الصين ثالث أكبر شريك تجاري للمغرب.. لكن هذه الأرقام تخفي حقيقة أكثر تعقيداً؛ إذ لا يزال الميزان التجاري يميل بقوة لصالح الصين، فالمغرب يستورد التكنولوجيا والآلات والمعدات الصناعية والمركبات، بينما يواصل تصدير المواد الأولية والمعادن، وهو نموذج يعيد إنتاج العلاقة التقليدية بين الدول المصنعة والدول المزودة بالمواد الخام، حتى وإن ارتدى هذه المرة ثوب “الانتقال الطاقي”.
وفي الوقت نفسه، تؤكد بيانات مكتب الصرف أن قطاع السيارات أصبح أول قطاع مصدر بالمغرب، بعدما تجاوزت صادراته 157 مليار درهم خلال سنة 2024، وهو ما يعكس التحول الكبير الذي عرفته الصناعة الوطنية خلال العقد الأخير.
بطاريات الليثيوم… حيث تُصنع القوة الاقتصادية الجديدة
إذا كان النفط هو عنوان القرن العشرين، فإن البطاريات أصبحت عنوان القرن الحادي والعشرين، لذلك ليس من قبيل الصدفة أن تتسابق الشركات الصينية إلى الاستثمار في المغرب.. حيث اعلنت شركة غوشن هاي تك عن ضخ 1.3 مليار دولار لإنشاء أول مصنع ضخم لبطاريات السيارات الكهربائية بالمملكة، بطاقة إنتاجية تبلغ 20 غيغاواط ساعة، مع مخطط توسعة قد يرفع الاستثمارات إلى 6.5 مليارات دولار لإنتاج 100 غيغاواط ساعة.
وفي طنجة والجرف الأصفر، تتوسع مشاريع إنتاج الأنودات والكاثودات ومواد بطاريات الليثيوم أيون، مستفيدة من الموقع الجغرافي للمغرب واحتياطياته الضخمة من الفوسفاط، الذي أصبح مادة استراتيجية في صناعة البطاريات الحديثة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من سيجني القيمة الحقيقية لهذه الصناعة؟ هل ستكون الجامعات المغربية ومكاتب البحث العلمي والمقاولات الوطنية جزءاً من هذه الثورة الصناعية، أم سيقتصر دورها على توفير اليد العاملة والعقار والإعفاءات الضريبية؟
أوروبا لا تخشى المغرب… بل تخشى الصين التي قد تمر عبره
قرار الاتحاد الأوروبي فرض رسوم إضافية على السيارات الكهربائية الصينية لم يكن إجراءً تقنياً فحسب، بل كان إعلاناً عن مرحلة جديدة من الحمائية الاقتصادية.
ومن هنا بدأ القلق الأوروبي يتجه نحو المغرب، ليس باعتباره منافساً، وإنما باعتباره شريكاً يتمتع باتفاقيات تبادل حر تمنحه امتيازات واسعة داخل السوق الأوروبية، لذلك يراقب الاتحاد الأوروبي بدقة مدى احترام قواعد المنشأ، تحسباً لأي محاولة لتحويل المغرب إلى منصة لإعادة تصدير المنتجات الصينية.
ورغم أن اتخاذ إجراءات ضد المغرب يظل احتمالاً ضعيفاً في ظل تشابك المصالح مع بروكسل في ملفات التجارة والهجرة والطاقة والأمن، فإن مجرد طرح هذا النقاش يكشف أن المملكة أصبحت لاعباً مؤثراً في معادلات اقتصادية دولية لم تكن طرفاً فيها قبل سنوات.
الرهان الحقيقي… ليس عدد المصانع بل من يملك التكنولوجيا
يعد استقطاب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية إنجازاً مهماً، لكنه لا يكفي لبناء قوة اقتصادية مستدامة، فالتجارب الدولية أثبتت أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المصانع التي تُقام، بل بحجم المعرفة التي تنتقل، وعدد براءات الاختراع التي تُنتج، ونسبة الإدماج المحلي التي تتحقق، ومستوى الأجور التي يستفيد منها العمال.
واليوم يقف المغرب أمام لحظة مفصلية؛ فإما أن يتحول إلى قاعدة صناعية مستقلة تمتلك التكنولوجيا وتفرض موقعها داخل سلاسل القيمة العالمية، أو يظل مجرد محطة جغرافية تستفيد منها القوى الكبرى في صراعاتها التجارية، قبل أن تنتقل إلى وجهة أخرى عندما تتغير موازين المصالح.. فالحروب الاقتصادية لا تصنع المنتصرين بالضرورة، لكنها تكشف بوضوح من يملك القرار… ومن يكتفي باستقبال الاستثمارات وانتظار ما ستقرره القوى الكبرى.





