الرئسيةرياضة

“بي بي سي”..المغرب قصته الكروية لم تكتمل

الهزيمة لا تهدم مشروعا.. المغرب يواصل كتابة قصته الكروية

لم يكن خروج المنتخب المغربي من كأس العالم 2026 أمام فرنسا نهاية الحلم، بقدر ما كان محطة جديدة في مسار مشروع رياضي بدأ قبل سنوات، وما يزال يحمل وعودا أكبر مما تحقق حتى الآن، فالهزائم، مهما كانت مؤلمة، لا تلغي ما بُني، ولا تمحو التحول العميق الذي عرفته كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير.

وتنسجم هذه القراءة مع ما خلص إليه تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، الذي اعتبر أن صعود المغرب إلى مصاف القوى الكروية لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية طويلة الأمد استثمرت في الإنسان والبنية التحتية والتكوين.

من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة المشروع

لسنوات طويلة، عاشت الكرة المغربية على وقع النتائج المتذبذبة، وغابت عن كأس العالم لعقدين كاملين، بينما تراجعت مكانة الأندية والمنتخبات قاريا.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولا جذريا في طريقة التفكير، إذ انتقل المغرب من البحث عن إنجاز عابر إلى بناء مشروع كروي متكامل يقوم على التخطيط والاستمرارية.

هذا التحول جعل الإنجاز يتكرر في أكثر من محطة، بدل أن يبقى استثناء يصعب تكراره.

النجاح لم يعد حكراً على المنتخب الأول

أحد أبرز مؤشرات نجاح المشروع المغربي أن التألق لم يعد مرتبطا بجيل واحد أو منتخب واحد، فقد حققت مختلف المنتخبات الوطنية نتائج غير مسبوقة، من برونزية أولمبياد باريس، إلى التأهل التاريخي لمنتخب السيدات، مروراً بالتتويجات القارية، ووصولاً إلى لقب كأس العالم للشباب.

وعندما تحقق الفئات العمرية النتائج نفسها التي يحققها المنتخب الأول، فهذا يعني أن المنظومة بأكملها أصبحت تنتج النجاح.

الحلم يبدأ من ملاعب الأحياء

وراء كل لاعب مغربي تألق في الملاعب العالمية، توجد رحلة بدأت غالبا في ملعب قرب أو ساحة شعبية، لذلك لم يكن الاستثمار في البنية التحتية مجرد تشييد ملاعب كبيرة، بل كان توسيع قاعدة الممارسة، وإتاحة الفرصة لآلاف الأطفال لاكتشاف مواهبهم.

ومع انتشار آلاف المنشآت الرياضية وملاعب القرب، أصبح الطريق نحو الاحتراف أكثر وضوحا مما كان عليه في الماضي.

التكوين… الاستثمار الذي لا يخسر

لم يعد تكوين اللاعبين في المغرب عملاً عشوائيا، بل تحول إلى سياسة رياضية واضحة، تتجسد في أكاديمية محمد السادس وغيرها من مراكز التكوين، التي نجحت في تخريج أسماء أصبحت تمثل المنتخب الوطني وتحترف في أقوى الدوريات الأوروبية.

واليوم، لم تعد الأكاديمية تخرج لاعبين فقط، بل تخرج أجيالاً قادرة على ضمان استمرارية المنتخب لسنوات طويلة.

بطولة احترافية صنعت بيئة مختلفة

لم يقتصر الإصلاح على المنتخبات، بل شمل أيضاً الأندية الوطنية، من خلال إرساء منظومة احترافية أكثر تنظيماً، وفرض معايير مالية وإدارية وتكوينية ساهمت في رفع مستوى المنافسة، وجعلت الأندية المغربية حاضرة باستمرار في الواجهات القارية.

وأصبحت البطولة المحلية إحدى حلقات المشروع، لا مجرد مسابقة رياضية.

2030… الموعد الذي يتجاوز التنظيم

استضافة المغرب لكأس العالم 2030 ليست هدفاً في حد ذاته، بل محطة جديدة ضمن مشروع أكبر. فالملاعب الحديثة، وشبكات النقل، ومراكز التدريب، كلها استثمارات لن تنتهي بانتهاء البطولة، بل ستشكل إرثاً رياضياً للأجيال المقبلة.

ولهذا ينظر كثيرون إلى مونديال 2030 باعتباره فرصة لتأكيد المكانة الجديدة التي بات يحتلها المغرب في كرة القدم العالمية.

لا مكان لجلد الذات

بعد كل إخفاق ترتفع أصوات التشكيك، لكن التجارب الكروية الكبرى تثبت أن المنتخبات التي وصلت إلى القمة هي نفسها التي تعرضت لهزائم مؤلمة في الطريق إليها.

المغرب اليوم ليس ذلك المنتخب الذي يشارك بحثاً عن مشاركة مشرفة، بل أصبح منافساً يُحسب له الحساب. ولذلك فإن الخسارة أمام فرنسا لا تعني العودة إلى نقطة الصفر، بل تفرض مراجعة التفاصيل وتصحيح الأخطاء، مع الحفاظ على الثقة في مشروع أثبت، خلال سنوات قليلة، أنه قادر على صناعة الإنجازات.

فالمستقبل لا يُبنى بردود الفعل، بل بالاستمرار في العمل. وإذا كان مونديال قطر قد غيّر نظرة العالم إلى الكرة المغربية، فإن السنوات المقبلة قد تكون موعداً لإنجازات أكبر، لأن المشروع لم يبلغ نهايته بعد، بل يبدو أنه لا يزال في بدايته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى