
رحيل حميدبرادة.. صحافي من زمن الكبار
غيب الموت، مساء الجمعة 25 شتنبر 2026، الصحافي والمثقف المغربي حميد برادة، عن سن ناهز 86 عاما، بعد مسار مهني وفكري وسياسي امتد لأكثر من ستة عقود، تنقل خلاله بين السياسة والصحافة والتدريس الجامعي، قبل أن يستقر في الإعلام ويصبح واحدا من أبرز وجوه الصحافة المغربية والفرنكوفونية.
برحيله، لا تفقد الصحافة المغربية صحافيا مخضرما فحسب، وإنما تودع شخصية عاشت تحولات كبرى في المغرب والمغرب العربي وإفريقيا، وعايشت مرحلة كانت فيها الصحافة المكتوبة فضاءً أساسياً لصناعة النقاش العام، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى التلفزيون ثم إلى الفضاء الرقمي.
وكان حميد برادة واحداً من الصحافيين الذين لم يتعاملوا مع الحوار باعتباره مجرد أسئلة وأجوبة، بل جعلوا منه فناً قائماً بذاته، وأداة لاختبار الأفكار وكشف خلفيات المواقف واستعادة تفاصيل مرحلة سياسية وفكرية بكاملها.
من طنجة إلى قلب الحياة السياسية
ولد حميد برادة في 3 دجنبر 1939 بمدينة طنجة، داخل أسرة وطنية تنحدر من فاس. وتلقى جانباً من تعليمه في المدرسة الإسلامية الحرة التي كان يديرها العلامة عبد الله كنون، قبل أن يواصل دراسته بثانوية ريغنو.
ومنذ شبابه، انخرط في الحركة الطلابية والسياسية، في مرحلة كان فيها المغرب يعيش صراعاً سياسياً محتدماً حول طبيعة الدولة ومستقبل البلاد وعلاقة الحركة الوطنية بالسلطة.
وفي سنة 1962، انتُخب برادة رئيساً للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ليجد نفسه في قلب الأحداث السياسية الوطنية والدولية. وبعد سنة واحدة فقط، صدر في حقه حكم غيابي بالإعدام في سياق سياسي شديد التوتر، وهو الحكم الذي ارتبط أيضاً بقضية المهدي بن بركة وبمواقف برادة خلال تلك المرحلة.
أجبره ذلك على مغادرة المغرب، فعاش سنوات من المنفى بين الجزائر وفرنسا، قبل أن يُسمح له بالعودة إلى بلده سنة 1978.
لكن المنفى لم يكن بالنسبة إلى برادة مجرد فترة غياب جغرافي عن المغرب، بل كان أيضاً مرحلة لتوسيع تكوينه الفكري والثقافي. فقد درس الفلسفة والقانون وعلم الاجتماع السياسي، وهي تكوينات ستترك بصمتها لاحقاً على طريقته في ممارسة الصحافة وإدارة الحوارات.
من المناضل السياسي إلى الصحافي
كان التحول من السياسة إلى الصحافة أحد أهم مفاتيح شخصية حميد برادة.
فبعد تجربة سياسية وطلابية مبكرة، اختار أن يجعل الصحافة مهنته الأساسية، وأن يبتعد عن التنظيم السياسي المباشر. وفي هذا الانتقال، لم يتخل عن اهتمامه بالسياسة، وإنما غيّر موقعه منها: من الفاعل السياسي إلى الصحافي الذي يراقب ويسأل ويفكك ويستجوب.
وقد قال، وفق ما ورد في تقديم أنطولوجيا حواراته، إنه «ناضل كطالب»، ثم اختار الصحافة ولم يعد إلى النشاط السياسي، وهو ما منحه، بحسب هذا التقديم، هامشاً أوسع للحديث بحرية بعيداً عن قيود الالتزام التنظيمي.
هذه المسافة بين الصحافي والسياسي ستصبح لاحقاً إحدى سمات تجربته؛ فهو يعرف لغة السياسيين من الداخل، ويعرف في الوقت نفسه كيف يضع نفسه خارجها عندما يجلس أمام محاوريه.
«جون أفريك».. مدرسة الصحافة وصناعة الاسم
شكلت مجلة «جون افريك» محطة مركزية في المسار المهني لحميد برادة.
التحق بالمجلة في سنوات مبكرة من مساره الصحافي، وأصبح واحدا من أبرز صحافييها، قبل أن يتولى رئاسة تحريرها بين 1974 و1985.
وخلال هذه الفترة، كان قريبا من التحولات التي عرفها المغرب العربي وإفريقيا، ومن النقاشات المرتبطة ببناء الدول الوطنية بعد الاستقلال، والصراعات السياسية والفكرية التي طبعت المنطقة.
ولم تكن «جون أفريك» مجرد مكان للعمل بالنسبة إليه، وإنما مدرسة صحافية أتاحت له أن يلتقي بشخصيات صنعت تاريخ المنطقة، وأن يشتغل في فضاء صحافي فرنكوفوني واسع يتجاوز الحدود الوطنية.
لاحقا، تولى برادة مسؤولية منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط في القناة الفرنكوفونية TV5، مواصلاً بذلك حضوره في الإعلام الدولي.
صحافي يعرف كيف يسأل.. ومحاور يعرف كيف يصغي
ربما كان الحوار هو أكثر ما ارتبط باسم حميد برادة.
فهو لم يكن من الصحافيين الذين يكتفون بإعداد الأسئلة وانتظار الإجابات، بل كان يتعامل مع المحاورة باعتبارها بناء متدرجا: سؤال يقود إلى آخر، ومعلومة تستدعي توضيحا، وإجابة تفتح بابا جديدا للنقاش.
وهنا تحديدا تكمن خصوصية تجربته.
كان برادة يدخل إلى الحوار وهو يعرف خلفية الشخصية التي أمامه، ومسارها السياسي والفكري، والتناقضات التي يمكن أن تكشفها إجاباتها.
لكنه كان يمنح محاوره مساحة للكلام، ويترك الحوار يتطور دون أن يتحول الصحافي إلى طرف يطغى على ضيفه.
وقد وصفت مقدمة «أنطولوجيا الحوارات» طريقته بأنها أسلوب خاص في بناء السؤال وطرحه، معتبرة أن المحاورة لديه كانت فنا في حد ذاتها.
حوار الحسن الثاني.. محطة استثنائية
من بين أبرز محطات مسيرته الحوار الذي أجراه مع الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1985.
كان ذلك الحوار استثنائيا على أكثر من مستوى، إذ عُد أول حوار للملك مع صحافي مغربي، كما شكل حدثا إعلاميا بارزا في ذلك الوقت، ونشر جزء منه في «جون أفريك». وتمحور أساسا حول قضية الصحراء بعد مرور عشر سنوات على المسيرة الخضراء.
وقد منح هذا الحوار برادة مكانة خاصة في تاريخ الصحافة المغربية، ليس فقط بسبب الشخصية التي جلس أمامها، وإنما أيضا بسبب الظروف السياسية التي أحاطت بالمقابلة: صحافي مغربي كان قد صدر في حقه حكم بالإعدام في ستينيات القرن الماضي، يجلس بعد عقود أمام الملك لإجراء حوار صحافي.
واللافت أن برادة عاد سنة 2009 إلى تجربة مختلفة تماما، عندما كتب حواراً متخيلا مع الحسن الثاني بعد عشر سنوات من وفاة الملك، مستعيدا من خلاله شخصية الملك وأسئلته المحتملة حول المغرب والتحولات التي عرفتها البلاد.
من الحسن الثاني إلى العروي وبن بركة وبن بلة والغنوشي
لم يقتصر أرشيف برادة على الشخصيات السياسية المغربية.
فخلال مسيرته الطويلة، حاور شخصيات سياسية وفكرية وأدبية من المغرب والمغرب العربي وإفريقيا وأوروبا، من بينها عبد الله العروي، وعبد الرحمان اليوسفي، وأحمد بن بلة، وحسين آيت أحمد، وراشد الغنوشي، وليوبولد سيدار سنغور، ومحمد حربي، وامحمد بوستة، وغيرهم.
وتكشف قائمة محاوريه عن طبيعة اهتماماته: السياسة والتاريخ والفكر والأدب والعلاقات الدولية، وهي مجالات كان يفصل بينها في الظاهر، لكنه كان يرى بينها خيطا مشتركا هو فهم الإنسان والسلطة والمجتمع.
«Mais Encore?».. عودة المحاور إلى الشاشة
بعد سنوات طويلة في الصحافة المكتوبة والفرنكوفونية، عاد حميد برادة إلى الجمهور المغربي الواسع من خلال القناة الثانية «دوزيم».
وبين 2007 و2018، تولى تقديم برنامج «Mais Encore?»، الذي استضاف من خلاله سياسيين ومثقفين ومفكرين وشخصيات عامة.
كان البرنامج امتدادا طبيعيا لشخصيته الصحافية: صحافي متمرس، أمام ضيف يعرف أنه لن يكتفي بالأسئلة السطحية.
وعلى شاشة التلفزيون، حافظ برادة على ميزته الأساسية: الهدوء، المعرفة، الحضور، والقدرة على إدارة الحوار دون استعراض.
ولهذا ارتبط اسمه لدى جيل من المشاهدين بصورة المحاور الذي يأتي إلى الاستوديو وهو يحمل معرفة مسبقة بضيفه، وليس مجرد قائمة من الأسئلة الجاهزة.
وفي نعيها له، وصفته القناة الثانية بأنه «محاور استثنائي» و«مثقف ملتزم» و«مناضل من الرعيل الأول»، مستحضرة خصوصاً تجربته في تقديم البرنامج بين 2007 و2018.
أستاذ جامعي.. حين تلتقي الصحافة بالفكر
لم يكن برادة صحافيا فقط، فإلى جانب تجربته الطويلة في الإعلام، اشتغل في التدريس الجامعي، مستفيدا من تكوينه في الفلسفة وعلم الاجتماع السياسي، وظل يحمل معه إلى الصحافة أدوات الباحث والأستاذ.
ولعل هذا الجانب يفسر جزءا من طبيعة حواراته؛ فقد كان يهتم بالسياق، ويعود إلى التاريخ، ويطلب من ضيفه تفسير الموقف وليس مجرد الإعلان عنه.
كان يريد أن يعرف «لماذا» بقدر ما يريد معرفة «ماذا».
وهذا ما جعل حواراته قابلة للقراءة حتى بعد مرور سنوات على نشرها، لأنها لا ترتبط فقط بالحدث الآني، وإنما بالشخصيات والأفكار التي كانت وراء ذلك الحدث.
«أنطولوجيا الحوارات».. برادة يوثق نفسه ويوثق عصره
في سنة 2025، صدر الجزء الأول من «أنطولوجيا الحوارات» لحميد برادة، باللغة الفرنسية، عن منشورات Kulte، بدعم من مجلس الجالية المغربية بالخارج.
وجاء الكتاب في أكثر من 700 صفحة، وضم مختارات من حوارات أجراها برادة بين 1977 و2012، مع شخصيات سياسية وثقافية وفكرية من المغرب والمغرب العربي وإفريقيا وأوروبا، ولم يكن الكتاب مجرد تجميع لمقالات قديمة.
فالحوارات، وهي اليوم تعود إلى القارئ في كتاب، أصبحت وثيقة تاريخية تكشف كيف كانت تلك الشخصيات تفكر في لحظتها، وكيف كانت تنظر إلى السلطة والمعارضة والاستقلال والتحولات الاجتماعية والسياسية.
ولهذا اكتسبت الأنطولوجيا أهمية تتجاوز سيرة صاحبها؛ فهي تقدم جزءاً من أرشيف القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين بأصوات أصحاب القرار والمفكرين والمعارضين والمثقفين.
وكان من المنتظر أن يتضمن الجزء الثاني حوارات برادة التلفزيونية التي بثتها القناة الثانية ضمن «Mais Encore?»، بما يجعل مشروع الأنطولوجيا امتداداً لذاكرته الصحافية المكتوبة والمرئية.
ابن زمن سياسي مضطرب.. وشاهد على تحولات المغرب
كان من الصعب فصل حميد برادة عن تاريخ المغرب السياسي، حتى بعدما اختار الابتعاد عن العمل السياسي المباشر.
لقد عاش مرحلة الصراع السياسي في الستينيات، والمنفى، والتحولات الكبرى في المغرب العربي، ثم عاد إلى بلده ليواصل مساره في الصحافة، ويجلس لاحقاً أمام شخصيات كانت جزءاً من السلطة أو المعارضة أو الفكر.
وكانت هذه التجربة تمنحه موقعا خاصا: هو ليس مراقبا بعيدا عن الأحداث، لكنه في الوقت نفسه ليس طرفا سياسيا فيها، لقد كان شاهدا.
ومن هنا يمكن فهم قيمة أرشيفه: برادة لم يكتب فقط عن شخصيات عصره، بل جلس إليها، واستمع إليها، وتركها تتحدث.

شاهد أمام هيئة الإنصاف والمصالحة
ارتبطت حياة برادة أيضا بذاكرة الانتهاكات السياسية التي عرفها المغرب، فقد شارك، بصفته شاهداً، في جلسات هيئة الإنصاف والمصالحة، بالنظر إلى أن والده كان من ضحايا الاختطاف والاختفاء القسري.
وهنا عاد الماضي الشخصي ليلتقي بالتاريخ العام؛ فالرجل الذي عاش المنفى وحكم عليه بالإعدام، وجد نفسه لاحقا أمام مؤسسة رسمية تستمع إلى شهادات ضحايا الانتهاكات وذويهم، في واحدة من أهم محطات محاولة طي صفحة الماضي الحقوقي بالمغرب.
شخصية تجمع بين الصرامة والهدوء
في صورة حميد برادة كما تظهر من مساره، يصعب وضعه في خانة واحدة.
كان سياسياً في شبابه، ثم صحافيا محترفا، ومثقفا وأستاذا جامعيا ومحاورا تلفزيونيا.
لكن ما جمع هذه الأدوار كلها هو المعرفة.
لم يكن برادة صحافي السبق وحده، ولا صحافي الخبر العابر. كان أقرب إلى صحافي الشخصيات والأفكار؛ يلاحق الخلفيات، ويهتم بالتاريخ، ويعرف أن الوصول إلى إجابة مهمة يبدأ غالبا من سؤال جيد.
كما أن تجربته السياسية المبكرة منحته معرفة مباشرة بلغة المعارضة، فيما منحته الصحافة الطويلة قدرة على الاقتراب من أصحاب القرار دون أن يتحول إلى متحدث باسمهم.
وهذه المسافة هي التي صنعت جزءا من فرادته.
رحيل صحافي.. وبقاء أرشيف
برحيل حميد برادة، تفقد الصحافة المغربية واحدا من الوجوه التي تنتمي إلى زمن كانت فيه الصحافة مهنة وثقافة ومعرفة، وكان الصحافي مطالبا بأن يعرف أكثر مما يكتب، وأن يقرأ أكثر مما يسأل.
لكن إرثه لا ينتهي برحيله.
فحواراته المنشورة، ومقالاته، وظهوره التلفزيوني، و«أنطولوجيا الحوارات» التي صدرت قبل سنة واحدة فقط من وفاته، كلها تشكل أرشيفا يتيح للأجيال اللاحقة العودة إلى شخصيات وأحداث وأفكار طبعت تاريخ المغرب والمغرب العربي وإفريقيا.
كان حميد برادة، في نهاية المطاف، أكثر من صحافي يجيد الحوار.
كان صحافيا عاش السياسة، ثم ابتعد عنها ليكتبها ويسأل أصحابها؛ ومثقفا حمل أسئلة الجامعة إلى غرف الأخبار؛ ومحاورا جعل من الاستماع فنا ومن السؤال وسيلة لفهم عصره.
وبين «جون أفريك» و«TV5» و«دوزيم»، وبين المنفى والعودة، وبين الجامعة والصحافة، ترك حميد برادة وراءه ما هو أبقى من المناصب: أرشيفا من الأسئلة والأجوبة، وشهادة صحافية على مرحلة كاملة من تاريخ المغرب والمنطقة.
المصدر: أنطولوجيا الحوارات ووسائل إعلام

من المناضل السياسي إلى الصحافي




