
6 أعوام على رحيل الصديق محمود معروف
حين يرحل الأحباب تباعا
لمن يعنيه الأمر أقول: عذرا، ولمن يتفهم.. لي منه العزاء..
بقلم عبدالرحيم التوراني
صار كل يوم يمضي يجتاح صفحتي نعي جديد، فما الحيلة والأحباب والأصدقاء يرحلون تباعا.. يتركون في القلب جرحا غائرا لا يندمل، وفي الذاكرة صورتهم الموشومة بالألم.
كلما رحل عزيز أحس بضياع جزء مني. هي جدولة الموت.. يقسّط النهايات على دفعات، كما قال جبران خليل جبران: “كلما رحل صديق مات جزء منا، وكلما غادرنا حبيب مات جزء، وكلما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء منا، فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة، فيحملها ويرحل”.
محمود معروف.. طعنة الغياب
رحيل صديقي العزيز، الصحفي الفلسطيني المغربي محمود معروف اليوم، كان له وقع طعنة الغدر والفقدان الأليم…
قبيل أيام فقط تبادلنا العزاء في رحيل صديقتنا الفنانة ثريا جبران، التي وصفها محمود بـ”مستودع أسراره”.
من بغداد إلى الدار البيضاء.. بداية الحكاية
علاقتي بـ”أبو رشا” تعود إلى نهاية السبعينيات أو مستهل الثمانينيات، حين وصل أول مرة إلى المغرب.
صادفته أمام باب جريدة “المحرر” في زنقة الأمير عبد القادر. كان لديه في ذلك الصباح البعيد موعد مع رئيس التحرير المرحوم مصطفى القرشاوي، وكان معه صديقنا الكاتب والأستاذ الجامعي الميلودي شغموم، الذي أوصله بسيارته الصغيرة.
جاء محمود من بغداد إلى الدار البيضاء ومعه توصية من صديق مشترك، فالتقى بصديقنا الشاعر السوري محمد حمدان المقيم في المغرب، الذي استقبله واستضافه أياما في بيته.
شهادة من اللاذقية.. وذاكرة البدايات
في رسالة خاصة كتب لي الصديق محمد حمدان من مدينته اللاذقية:
“محمود معروف نزل بضيافتي لمدة تربو على الشهرين وهي دون الثلاثة أشهر، قبل أن يستأجر غرفة في الرباط مع آخرين. لم أكن أعرفه من قبل، لكنه حمل لي توصية ورسالة من صديقي أحمد منصور “صاحب دار الحقائق” ومن آخرين في بيروت.
وقد راسل مجلة “الأفق” زمنا، وكان طموحه أن يكون المراسل الدائم لـ”قدس برس” في المغرب. وفي بيتي تعرف إلى الصديق شغموم الميلودي الذي كان الصديق اليومي، وأنا شاهد على زيارته لجريدة “المحرر”.
وقد رافقني إلى أكثر من فعالية ثقافية عامة، من ذلك موسم الشموع في سلا، وموسم الزاوية الحسونية، ومن هناك إلى مكناس وموسم زاويتها الأكثر شهرة، وقد أجرى لقاء مع ابن شيخ الزاوية، وأتممنا إلى فاس معا وزرنا سيدي حرازم ونمنا هناك ليلة، وسبح في مسبحها الساخن (…)
ألف رحمة على روح الصديق محمود معروف، ولك الشكر أخي عبد الرحيم”.
صداقة لم يقطعها الزمن
امتدت الصداقة بيني وبين محمود معروف بلا انقطاع وتوطدت أكثر، وإن كنا لم نعد نلتقي كما في السابق إلا في مناسبات متفرقة.
لكن في الأعوام الأخيرة صار الموت هو من يجمعنا، صرنا نلتقي في الجنازات ومجالس العزاء.
ولما رحل صديقنا مصطفى اليزناسني في نوفمبر 2019، كان محمود في الأرض المحتلة، فاتصل بي معزيا وطالبا تبليغ عزائه لعائلة الفقيد اليزناسني.
كان يقرأ ما أكتب.. ويطالبني بالنشر
ظل محمود يتواصل معي، مبديا ملاحظاته وآراءه في كتاباتي وفي المذكرات التي أنشر أجزاء منها على “الفيسبوك”.
كان يعلق عليها ويناقش ويصحح بعض التواريخ والأحداث، ملحا على ضرورة نشرها في كتاب.
كتب لي في آخر مرة على “الميسنجر”، وكنت مقيما في لبنان:
“أنتظر عودتك إلى المغرب لنشتغل على موضوع نشرها، هي ذاكرة نحتاج إليها”.
الموت.. ذلك الطابور الطويل
يفاجئني موت الأصدقاء والأحباب، يذكرني بالطابور الطويل الذي نصطف فيه، فأفيق على أن الحياة ما هي إلا قصة “موت معلن”.. ولسنا سوى ورثة الموتى والموت..
لماذا نرغم على تعلم الاستئناس بالموت؟
وكيف نؤنسنه حتى لا يجفل من غفلتنا.. ونجفل من رهبته الغادرة؟
وداعاً يا أبا رشا
وداعا صديقي محمود معروف..
ستة أعوام مرت على رحيلك، وما زال الغياب موجعا، وما زالت صورتك حاضرة في الذاكرة، وما زالت كلماتك ورسائلك وصداقتك شاهدة على زمن لا يعود.
وإلى اللقاء.





