الرئسيةسياسة

تحليل إخباري..صدمة الأرقام: تسيير جماعات في قلب أزمة المصداقية

كشفت الحصيلة السنوية لوزارة الداخلية عن أرقام صادمة تضع ممارسات التمثيل المحلي وجزءاً من منظومة التسيير الجماعي في قلب أزمة مصداقية.. حيث بلغ عدد المنتخبين الجماعيين المتابعين قضائياً 302 حالة، بينها 52 رئيس جماعة حالياً و69 رئيساً سابقاً و57 نائب رئيس و124 عضواً جماعياً، بينما تم إقالة 63 منتخَباً من مهامهم الانتدابية بسبب حالات التنافي، شملت 20 رئيس جماعة و36 نائب رئيس و7 أعضاء في الغرف المهنية.. هذه الأرقام ليست مجرد حصيلة إجرائية، بل مرآة لضعف ضوابط الاختيار والرقابة وهشاشة أدوات النزاهة في المجال المحلي.

أين تكمن أسباب المتابعة؟

لا يمكن قراءة ارتفاع حالات المتابعة بمعزل عن عوامل متعددة تتقاطع عند السياق المؤسسي والسياسي والاجتماعي؛ أولاً، هناك ميل الى تحويل المناصب المحلية إلى امتدادات لمصالح شخصية أو حزبية، ما يفتح الباب أمام صراعات المصالح وتجاوز قواعد التنافي.

ثانياً، ضعف التصريحات بالممتلكات والشفافية في المسارات الانتدابية يغيب عنه التحقق الفعلي والمتابعة المستمرة من طرف مراقبين مستقلين، ما يجعل اكتشاف التجاوزات متأخراً وغالباً بعد تراكم الشبهات. ثالثاً، تعقيدات المنظومة الإدارية والبيروقراطية قد تسهّل التجاوزات أو تخفي سوء التسيير تحت غطاء الروتين، بينما البطء في المساطر القضائية يطيل أمد القضايا ويؤثر على صورة الفاعل المحلي أمام المواطن.

التنافي والإقالة: قراءة في الضوابط والنتائج

إجبار 63 منتخباً على ترك مناصبهم لأسباب التنافي يطرح سؤالين مرتبطين: هل قواعد التنافي واضحة بالشكل الكافي؟ وهل ثمة آليات فعّالة للفرز قبل دخول المنافسة الانتخابية؟

حالات الإقالة هي دليل على وجود قواعد، لكنها أيضاً مؤشر على فشل الوقاية.. فعندما يصبح الحلّ الأساسي هو الإقصاء بعد الانتخاب، فهذا يعني أن المراحل المسبقة — من تصفية المرشحين إلى التصريح بالالتزامات المالية والمعنوية — لم تقم بدورها الصارم، و إضافة إلى البعد القانوني، هناك بعد أخلاقي وسياسي؛ فإقالة المنتخب من منصبه تتسبب بفراغ تمثيلي وتأثير على سير الخدمات المحلية، ما يضطر الأجهزة العمومية إلى إدارة تصحيحية قد تكون مكلفة زمنياً ومادياً.

انعكاسات على الممارسة السياسية والثقة العامة

تترافق النتائج المسجلة حتماً مع تآكل ثقة المواطن في مؤسسة التمثيل المحلي.. فالمواطن الذي يرى رؤساء جماعات ونواباً يُتابَعون قضائياً يجد صعوبة في تجديد الثقة بالمؤسسات وفي مشاركة فاعلة في الحياة السياسية.. نا يفتح الباب أمام سخط شعبي يمكن أن يتحول إلى عزوف انتخابي أو ضغط شعبي للمساءلة، وهو ما يضع الأحزاب والفاعلين المدنيين أمام اختبار قدرتهم على استعادة الشرعية عبر سياسات صارمة للشفافية والتواصل، كما أن استمرارية متابعات قضائية على نطاق واسع قد تستنزف الموارد القضائية وتحوّل قضايا فساد إدارية إلى معارك قانونية طويلة تلهي عن الإصلاح البنيوي.

الثغرات في الإطار القانوني والإداري

تتجلى ثغرات متعددة بدءاً من تصميم النصوص المتعلقة بتضارب المصالح وانتهاءً بآليات التنفيذ والمراقبة.. فالقوانين قد تتضمن نصوصاً جيدة من الناحية النظرية، لكن التطبيق يحتاج إلى مؤسسات رقابية مستقلة وقادرة على التدخل المبكر، وإلى سجلات واضحة للإفصاح عن الممتلكات ومناهج واضحة للتحقق منها.

علاوة على ذلك تكمن ثغرة أخرى في التعليم السياسي والحوكمة على مستوى القاعدة، حيث كثيرا ما يغيب التأهيل القانوني والأخلاقي للمنتخبين قبل وبعد انتخابهم.
و أخيراً، الية التنسيق بين الأجهزة الإدارية والقضائية والهيئات الرقابية تبدو غير متجانسة، ما ينعكس على بطء فتح التحقيقات وصعوبة ترجمة النتائج إلى عقوبات فعلية رادعة.

آليات استعادة الثقة ومنع تكرار التجاوزات

يتطلب الحد من ظاهرة المتابعات والإقالات مزيجاً من الإجراءات السريعة والمتوسطة والطويلة الأمد.. فعلى المستوى الفوري، لا بد من تفعيل آليات الإفصاح الإلزامي ومراقبة امتثال المنتخبين لها، مع إجراء مراجعات سريعة للملفات الاعتيادية قبل التسجيل والترشح، في المتوسط، يتطلب الأمر إنشاء هيئات مستقلة للشفافية على مستوى الجهات، وتحديث قواعد التنافي لتشمل حالات جديدة وتوضيح تعريفات تضارب المصالح، و على المدى الطويل، ضرورة تأسيس ثقافة محلية للمساءلة عبر برامج تكوين للمنتخبين حول الوظيفة العامة والأخلاقيات، ودعم المجتمع المدني والصحافة المحلية للقيام بدور رقابي فاعل، كما أن تبسيط المساطر القضائية وتحسين قدرات النيابات العامة في متابعة قضايا الفساد الإداري سيسهم في الحسم بسرعة أكبر وتقليص فرص الإفلات من العقاب.

اختبار لمدى نضج الديمقراطية المحلية

الحصيلة التي أعلنتها وزارة الداخلية هي نداء إنذار: ليست مجرد إحصاء لقضايا ومحاسبات، بل اختبار حقيقي لمدى نضج المؤسسات والفاعلين السياسيين وقابلية المجتمع على الإصلاح.. يمكن أن تكون هذه الأرقام نقطة انطلاق لإصلاح يشمل القوانين، والمؤسسات، والثقافة السياسية، إذا ما تُرجم الاعتراف بالمشكلة إلى إجراءات عملية وشفافة تُعيد للمواطنين حقهم في منتخِبين نزهاء وكفوئين.. وإلا فستتحول هذه الحصيلة إلى دليل إضافي على تآكل الثقة وارتفاع تكلفة التمثيل المحلي على صعيد الاستقرار والخدمات، وهو ثمن لا يملك الوطن رفاهية دفعه على المدى الطويل.

اقرأ أيضا…

وزارة الداخلية: المتابعات القضائية في حق أعضاء مجالس الجماعات الترابية بلغ 302 حالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى