
أعادت تدوينة للفاعلة الحقوقية لطيفة البوحسيني حول فضيحة التسجيلات المسربة، النقاش العمومي إلى واحدة من أعقد القضايا البنيوية التي يعيشها المغرب اليوم: حدود الدولة، وأدوار النخب، وخطر التحالف غير المعلن بين النفوذ الاقتصادي والسلطة الرمزية والسياسية.
التدوينة، التي وصفت ما جرى بأنه غيض من فيض، لم تقف عند مضمون التسريبات في حد ذاته، بقدر ما سلطت الضوء على ما اعتبرته “انكشافا أخلاقيا وبنيويا” لمساحات ظلت لسنوات خارج الضوء، تُدار فيها ملفات حساسة بمنطق الزبونية والتواطؤ وتصفية الحسابات.
ليس كل ما يحدث شذوذا فرديا
تقول لطيفة البوحسيني إن خطورة الواقعة لا تكمن فقط في فحوى التسجيلات، بل في الدلالة العامة التي تحملها: وجود نمط اشتغال غير شفاف، يستند إلى علاقات نفوذ مغلقة، ويستثمر المؤسسات في صراعات لا تعكس دائما المصلحة العامة.
وبرأيها، لا يمكن اختزال هذه الظواهر في انحرافات معزولة، بل ينبغي التعامل معها باعتبارها أعراضا لمنظومة أوسع، تشتغل في مناطق رمادية بين السلطة القانونية والنفوذ غير المرئي.
بين الدولة و”الدولة العميقة”
في التدوينة ذاتها، فرّقت البوحسيني بين الدولة كمؤسسات يُفترض أن تؤطر الحياة العامة بالقانون، وبين ما بنيات غير خاضعة للمساءلة، تتحرك داخل وخارج المؤسسات، وتؤثر على القرارات من دون شرعية ديمقراطية واضحة.
وتعتبر أن هذا الالتباس بين ما هو رسمي وما هو مواز، هو أحد أخطر أعطاب النظام السياسي والاجتماعي، لأنه يربك المواطن في تحديد من يُحاسب ومن يقرر بالفعل.
انتقاد خطاب التبرير
كما انتقدت الكاتبة بشدة تحولا صامتا في خطاب بعض النخب، التي كانت تُعرف تاريخيا بمواقفها النقدية، قبل أن تنخرط، اليوم، في تبرير الاختلالات أو الصمت عنها، تحت عناوين من قبيل: الدولة تقوم بواجبها، أو الوضعية ليست أسوأ من غيرنا، أو الإنجازات كثيرة رغم الصعوبات.
وترى البوحسيني في هذا الخطاب خطرا مضاعفا، لأنه يُضعف الرقابة الأخلاقية للمجتمع، ويُحوّل النقد إلى ترف، بدل كونه ضرورة ديمقراطية.
من يحرس الدولة ممن؟
أحد الأسئلة المركزية التي تطرحها التدوينة هو هل ما نعيشه أزمة دولة، أم أزمة هيمنة مراكز نفوذ داخل الدولة؟
تجيب البوحسيني بشكل غير مباشر، بالقول إن المغرب ليس أمام دولة واحدة متجانسة، بل أمام توتر دائم بين من يعتبرون الدولة مشروعا وطنيا، ومن يختزلونها في غنيمة أو أداة للنفوذ.
وتضيف أن هناك داخل مؤسسات الدولة نفسها رجالا ونساء يسعون لحماية الاستقرار وخدمة الصالح العام، في مقابل شبكات أخرى تشتغل بمنطق السيطرة والإخضاع وتكريس الرداءة.
نداء للنخب قبل فوات الأوان
في خاتمة تدوينتها، توجه لطيفة البوحسيني نداء مباشرا للنخب الثقافية والسياسية والحقوقية، تدعوهم فيه إلى كسر الصمت، واستعادة دورهم التاريخي في النقد والتنوير، بدل الاكتفاء بالمشاهدة أو التبرير.
وترى أن المغرب في لحظة مفصلية، وأن الصمت اليوم ليس حيادا، بل انحياز غير معلن لقوى التغول.




