
انتخابات 2026…الإعلام يصنع وعي الناخب
لا تكمن المهمة الأصعب التي تنتظر الإعلام المغربي مع اقتراب انتخابات 2026 في تغطية الحملة الانتخابية ونقل تصريحات المرشحين، وإنما في الحفاظ على استقلاليته وقدرته على مساءلة الفاعلين السياسيين، وسط فضاء إعلامي ورقمي تتداخل فيه الضغوط المالية، وفوارق الإمكانيات، والتضليل، والذكاء الاصطناعي.
هذا الرهان كان محور ندوة احتضنتها الرباط، اليوم الأربعاء، تحت عنوان «الإعلام وانتخابات 2026: رهانات التغطية المهنية وتحديات الفضاء الرقمي»، نظمها المنتدى المغربي للصحافيين الشباب، حيث تحول النقاش من سؤال «كيف يغطي الإعلام الانتخابات؟» إلى سؤال أعمق: أي إعلام يحتاجه المواطن حتى يكون قادرا على اتخاذ قرار انتخابي واع؟
الصحافة ليست جزءا من الحملة
وضع سامي المودني، رئيس المنتدى المغربي للصحافيين الشباب، استقلالية الصحافي في قلب النقاش، مؤكدا أن التغطية الانتخابية لا تبدأ مع انطلاق الحملة ولا تنتهي بإعلان النتائج، لأن الإعلام يساهم على امتداد السنة في تشكيل الصورة التي يكونها المواطن عن الأحزاب والفاعلين السياسيين.
وبحسب المودني، فإن نزاهة الانتخابات لا تتعلق فقط بما يجري داخل مكاتب التصويت، وإنما تشمل أيضاً البيئة الإعلامية التي يتشكل فيها قرار الناخب.
ومن هذا المنطلق، شدد على أن وظيفة الصحافي هي مساعدة الجمهور على فهم القضايا والبرامج، وليس التحول إلى أداة دعائية أو امتداد إعلامي لأي جهة سياسية.
الحياد ليس توزيعا للمساحات
غير أن استقلالية الإعلام تواجه سؤالا مهنيا شائكا يتعلق بمفهوم الحياد نفسه.
مارية مكريم، مديرة نشر موقع «فبراير»، اعتبرت أن الحياد الإعلامي ليس مهمة سهلة، لأن المؤسسة الصحافية مطالبة بالتوفيق بين متابعة الأحداث والشخصيات التي تستحق الاهتمام وبين تمثيل مختلف مكونات المشهد السياسي.
وترى مكريم أن الإنصاف لا يعني بالضرورة منح جميع السياسيين المساحة نفسها، وإنما اختيار المعالجة الصحافية المناسبة لكل حدث، مع تنويع أدوات الاشتغال بين التحقيق والريبورتاج والبورتريه وغيرها.
وأكدت، في المقابل، أن الضغوط المالية التي تواجه المقاولات الإعلامية تظل من العوامل التي يمكن أن تضيق هامش الاستقلالية المهنية، وهو ما يجعل الدفاع عن استقلال القرار التحريري أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة.
الانحياز إلى قواعد المهنة
وفي تصور أكثر دقة للحياد، أكدت مكريم أن الصحافي لا يفترض أن يكون محايدا تجاه القواعد التي تحكم العمل الديمقراطي، بل منحازا إلى حق المواطن في الحصول على المعلومات التي تمكنه من اتخاذ قرار حر ومستقل.
وبذلك، يصبح الحياد الصحافي بعيدا عن فكرة المساواة الحسابية بين المتنافسين، وأقرب إلى الالتزام بالتحقق والتوازن والإنصاف واحترام عقل القارئ والمشاهد.
من نقل التصريحات إلى مساءلة السياسيين
أما جواد الشفدي، مدير نشر «The Press»، فدعا إلى إعادة ترتيب أولويات التغطية الانتخابية، عبر منح البرامج والحصائل مساحة أكبر على حساب الشخصنة والمواجهات السياسية.
فالصحافة، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن تكتفي بنقل ما يقوله السياسيون، وإنما مطالبتهم بما يثبت أقوالهم، ومقارنة الوعود بالنتائج، والعودة إلى البيانات والأرقام والمعطيات المتاحة.
وبذلك تنتقل الصحافة من موقع ناقل الخطاب السياسي إلى موقع مساءلته، وهو الدور الذي يمنح التغطية الانتخابية قيمتها الديمقراطية الحقيقية.
المال يختبر استقلالية الإعلام الرقمي
وفي الوقت الذي تتراجع فيه هيمنة الإعلام التقليدي على تشكيل الرأي العام، يفرض الفضاء الرقمي تحديا جديدا على الصحافة.
عبد الله الترابي، الصحافي والكاتب، أشار إلى تفاوت الإمكانيات المالية للأحزاب في مجال الإعلانات الرقمية، مقدما معطيات تفيد بأن حزبا واحدا يستحوذ على 77 في المائة من مجموع إنفاق الأحزاب على الإعلانات الرقمية.
هذا التفاوت لا يطرح فقط سؤالا حول المنافسة بين الأحزاب، وإنما يضع الإعلام الرقمي نفسه أمام سؤال التأثير والإنصاف: هل يستطيع المحتوى الصحافي أن ينافس سيل الرسائل السياسية المدفوعة التي تلاحق المواطن على منصاته؟
ودعا الترابي إلى تعزيز آليات مراقبة الفضاء الرقمي خلال الانتخابات، بما يسمح برصد الاختلالات التي يمكن أن تؤثر في النقاش العمومي.
حين تصبح الحقيقة قابلة للتشكيك
الصحافة تواجه، في الوقت نفسه، عدوا أكثر تعقيداً من الخبر الكاذب التقليدي.
فخلال الجلسة الثانية، حذرت الصحافية المتخصصة في التحقيقات الرقمية ياسمين لعبي من مخاطر الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، معتبرة أن المشكلة لم تعد فقط في إنتاج محتويات مزيفة، وإنما في الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الجمهور غير قادر على الثقة حتى في المحتوى الحقيقي.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما تستخدم عبارة «التزييف العميق» نفسها لإنكار وقائع صحيحة، الأمر الذي يضع الصحافي أمام مسؤولية مضاعفة: كشف المحتوى المفبرك، وإثبات المحتوى الصحيح في الوقت ذاته.
وهنا تصبح أدوات التحقق والتدقيق والتحقيق الرقمي جزءا أساسيا من الممارسة الصحافية، وليست مجرد مهارات إضافية.
الصحافي في مواجهة الخوارزمية
وتناول صانع المحتوى طارق رزوقي التحول الذي أحدثته المنصات الرقمية في صناعة الرأي العام، حيث لم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها تتحكم في مسار المعلومة ووصولها إلى الجمهور.
فالخوارزميات تحدد إلى حد كبير ما يراه المستخدم، والمحتوى الأكثر إثارة قد يتفوق على المحتوى الأكثر دقة، فيما يمكن للإعلانات السياسية والمحتويات الموجهة أن تنافس المادة الصحافية المهنية على انتباه الجمهور.
وهكذا أصبحت الصحافة مطالبة ليس فقط بإنتاج المعلومة، وإنما أيضا بفهم البيئة التقنية التي تتحكم في انتشارها وتأثيرها.
أزمة الإعلام ليست في نقص الأخبار
تكشف مضامين الندوة أن التحدي الذي يواجه الإعلام في انتخابات 2026 لا يرتبط بنقص المعلومات، بل بوفرتها وتضاربها وسرعة انتشارها.
المواطن يعيش وسط فيض من التصريحات والصور والفيديوهات والإعلانات والمضامين الرقمية، لكن الوفرة لا تعني بالضرورة المعرفة.
وهنا تظهر الوظيفة الحقيقية للصحافة: التمييز بين الخبر والدعاية، بين المعلومة والتضليل، وبين الادعاء والوقائع.
نداء من أجل إعلام مهني
واختتمت الندوة بإطلاق «نداء من أجل إعلام مهني ومسؤول خلال الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026»، دعا إلى تعزيز استقلالية الصحافة وتعدديتها وحماية حق المواطن في المعلومة.
والمنتدى المغربي للصحافيين الشباب، المنظم للقاء، جمعية مدنية حاصلة على الصفة الاستشارية لدى منظمة «يونسكو»، وتأتي هذه المبادرة في إطار مواكبة الاستحقاقات الانتخابية بنقاش مهني استباقي.
الاختبار الحقيقي للإعلام
في انتخابات 2026، لن يكون السؤال فقط حول الأحزاب التي ستفوز أو المقاعد التي ستتغير، بل أيضا حول الإعلام الذي سيرافق هذه العملية الانتخابية.
فالإعلام الذي يكتفي بنقل تصريحات المرشحين يتحول بسهولة إلى منصة للحملة، والإعلام الذي يخضع للمال يفقد جزءا من استقلاليته، والإعلام الذي لا يتحقق من الأخبار يصبح جزءا من منظومة التضليل.
أما الإعلام المهني، فوظيفته مختلفة: أن يسأل، ويدقق، ويقارن، ويحقق، ويكشف التناقضات، ويمنح المواطن أدوات الحكم بدل أن يحكم نيابة عنه.
لهذا، فإن الرهان الأكبر في انتخابات 2026 قد لا يكون فقط على صناديق الاقتراع، وإنما على قدرة الصحافة على حماية المساحة التي تسبق الصندوق: مساحة الحقيقة.




