
يكشف مؤشر “إي أف لإتقان اللغة الإنجليزية” لسنة 2025 عن واقع لغوي “مقلق” في المغرب، إذ جاء ترتيب البلاد في خانة الدول ذات الكفاءة المنخفضة، محتلة المرتبة 68 من أصل 123 دولة..
و بالرغم من هذا التقدّم طفيف مقارنة بالعام الماضي حين حتل المغرب المرتبة 76، إلا أنه مايزال ضمن الفئة ما قبل الأخيرة ضمن خمسة مستويات يعتمدها التقرير العالمي لإبراز قدرات الدول التي تعتمد الإنجليزية كلغة أجنبية، وقد حصل المغرب على 492 نقطة من أصل 1000، ما يعكس استمرار التحديات البنيوية المؤثرة في تعلم الإنجليزية وإتقانها.
التوزيع الجغرافي لمستويات الإتقان
على المستوى المحلي، يكشف المؤشر فروقات لافتة بين المدن والجهات، فقد تصدرت الرباط المدن المغربية برصيد 517 نقطة، تليها فاس وابن جرير بـ515 نقطة، ثم مراكش بـ512 نقطة وطنجة بـ510 نقاط، فيما جاءت آسفي في ذيل القائمة بـ505 نقاط..
وتعيد هذه النتائج إحياء النقاش حول الفوارق المجالية في جودة التعليم والولوج إلى الموارد اللغوية، وعلى صعيد الجهات، احتلت جهة فاس مكناس الصدارة بمتوسط 502 نقطة، تليها جهة طنجة تطوان الحسيمة بـ500 نقطة، ثم الرباط سلا القنيطرة بـ499 نقطة، فجهة مراكش آسفي بـ495 نقطة، فالدار البيضاء سطات بـ494 نقطة، ثم سوس ماسة في النهاية بـ484 نقطة.
يعكس هذا التباين بين الجهات تفاوتًا في البنية التربوية والعروض التكوينية، إضافة إلى اختلاف حجم الطلب الاقتصادي على اللغة الإنجليزية داخل كل جهة.
العوامل العمرية والجندرية في مستوى الإتقان
كما يسلط التقرير الضوء على فروق أخرى ترتبط بالفئات العمرية والجندر، فقد أظهر أن الفئة العمرية 21-25 عامًا هي الأكثر إتقانًا للإنجليزية، وهو ما يمكن تفسيره بتعرض هذه الفئة للموارد الرقمية العالمية، وللالتحاق المتزايد بتخصصات جامعية ومهنية تتطلب استعمال اللغة، أما الفئة التي تتجاوز 41 عامًا فكانت الأقل كفاءة، وهو مؤشر يعكس محدودية فرص التعلم المستمر وضعف برامج التكوين الموجّهة للكبار، كما سجل التقرير تفوق الرجال على النساء في المعدل العام، إذ حصل الرجال على 497 نقطة مقارنة بـ487 نقطة للنساء، ما يثير أسئلة حول تساوي الفرص، وجودة تعلّم اللغات في المدارس، ومسارات التوجيه الدراسي للإناث.
الوضع الإقليمي والدولي وموقع المغرب بين نظرائه
إفريقيًا، احتل المغرب المرتبة التاسعة خلف دول تتقدم عليه بفارق كبير مثل جنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا، وهي دول ذات ارتباطات اقتصادية وثقافية أوسع بالإنجليزية.
و يعكس هذا الترتيب واقع سوق الشغل في المغرب الذي ما زال يعتمد بكثافة على الفرنسية، إضافة إلى بطء إدماج الإنجليزية في النظام التعليمي بالشكل الذي يوافق متطلبات الاقتصاد العالمي، وعلى مستوى الصدارة العالمية، حافظت هولندا على المركز الأول تليها كرواتيا والنمسا وألمانيا، بينما حلت توغو وليبيا وساحل العاج وكمبوديا في مراكز متأخرة، مما يؤكد أن الفجوة بين شمال العالم وجنوبه في المهارات اللغوية لا تزال واسعة.
منهجية المؤشر وملامح جديدة في نسخة 2025
استند المؤشر في نسخته لهذه السنة إلى بيانات 2.2 مليون ممتحن خضعوا لاختبار EF SET خلال سنة 2024، وتميز التقرير بإدماجه للمرة الأولى قياس مهارات التحدث والكتابة وليس الفهم والاستيعاب فقط، وهو ما يمنح صورة أكثر دقة حول القدرات الفعلية للمتعلمين، تكشف المنهجية الجديدة بوضوح نقاط الضعف المرتبطة بغياب الممارسة والتواصل باللغة داخل النظام التعليمي المغربي، الذي يركز في كثير من الأحيان على التعلم النظري.
العوامل البنيوية التي تفسّر تدني مستوى الإتقان
يتقاطع هذا التراجع مع مجموعة من العوامل التي تراكمت عبر السنوات، أبرزها استمرار هيمنة الفرنسية على الإدارة والمناهج، إضافة إلى ضعف تكوين الأساتذة في الإنجليزية، وغياب موارد بيداغوجية حديثة في عديد المؤسسات، خاصة في القرى والمناطق الهامشية، كما أن إدماج الإنجليزية في التعليم المغربي ظل محدودًا ومترددًا، إذ لم تتحول اللغة إلى أداة لتحقيق الارتقاء الاجتماعي أو فتح آفاق مهنية واضحة لدى المتعلمين، بخلاف ما يحدث في دول صاعدة.. يضاف إلى ذلك ضعف الإقبال على التكوين المستمر وقلة المبادرات العمومية الداعمة لإتقان اللغات الأجنبية مقابل المبادرات الفردية التي ترتبط أساسًا بالفئات الميسورة.
اللغة الإنجليزية وأهميتها في عالم متغير
يشدد التقرير على أن الإنجليزية ما تزال اللغة الأكثر استعمالًا للتواصل الدولي، وأن أهميتها تتعاظم في سياق عالمي يشهد اضطرابات سياسية وتوترات اقتصادية، يجعل هذا الواقع امتلاك مستوى جيد من الإنجليزية شرطًا أساسيًا للاندماج في الاقتصاد الرقمي ولجذب الاستثمارات وتطوير الكفاءات الوطنية.
و بالنسبة للمغرب، فإن رهان تحسين مستوى الإتقان لم يعد مجرد مسألة تعليمية بل خيارًا تنمويًا واستراتيجيًا.
و إذا كان المؤشر قد كشف مكامن الضعف بدقة، فإن التحدي اليوم يكمن في تحويل هذه البيانات إلى سياسات لغوية شجاعة تدمج الإنجليزية في المدرسة وسوق العمل وتوسع فرص التكوين أمام جميع الفئات والجهات، حتى لا يتحول التأخر اللغوي إلى عائق أمام الطموح الوطني في الارتقاء الاقتصادي والمعرفي.




