الرئسيةمجتمع

من الورق إلى الرقمنة..هل تتغير رحلة التقاضي؟

هل يغيّر قانون المسطرة المدنية حياة المغاربة؟

لم يعد قانون المسطرة المدنية الجديد مجرد تعديل تقني في قواعد التقاضي، بل دخل اليوم الاثنين 24 غشت 2026 باعتباره اختباراً لقدرة الدولة على تحويل إصلاح العدالة من نصوص قانونية إلى حقوق تصل في وقتها إلى أصحابها، فالقانون رقم 58.25، الذي دخل حيز التنفيذ بعد نشره بالجريدة الرسمية، يَعِد بتبسيط المساطر وتقليص آجال البت وتعزيز الرقمنة، وهي أهداف تقول وزارة العدل إنها مرتبطة أيضاً بتحسين مناخ الأعمال وترسيخ الثقة في المؤسسة القضائية.

حين يصبح عنوان البطاقة الوطنية مفتاح القضية

و يتعلق أحد أكثر التحولات تأثيراً في حياة المتقاضي بالتبليغ، فالعنوان المضمن في البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية يصبح مرجعاً في حالات محددة، بينما يتيح القانون التبليغ الإلكتروني واعتماد المراسلات الموجهة إلى الحسابات المهنية للمحامين، كما يلزم أشخاص القانون العام بالتصريح بعناوينهم الإلكترونية، ويفتح أمام القطاع الخاص إمكانية اختيار هذا النمط.

والمسألة هنا ليست تقنية فقط، فكل تبليغ متعثر قد يعني جلسة مؤجلة ووقتاً ضائعاً وكلفة إضافية، بينما يفترض أن تجعل الرقمنة المسار أكثر سرعة ووضوحاً وأقل اعتماداً على الورق والتنقل.

المواطن ليس وحده في قاعة الانتظار

بالنسبة للمقاولة، قد تكون أهمية القانون أكبر.. فالتأخر في حسم النزاع أو تنفيذ الحكم يمكن أن يعني تجميد أموال وتعطيل معاملات واستثمارات، ولهذا يعزز النص صلاحيات قاضي التنفيذ، ويتيح الاستعانة بالمنصة الرقمية للبحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع التنفيذ، بل وإجراء البيع إلكترونياً.

وتكشف الدولة نفسها حجم أهمية التنفيذ حين خصص قانون المالية لسنة 2026 مقتضيات خاصة بالأحكام النهائية الصادرة ضد الدولة والجماعات الترابية التي تعذر تنفيذها داخل الآجال المحددة.

منع الطعن من التحول إلى وسيلة للعقاب

في المقابل، يحاول القانون ضبط الوجه الآخر للتقاضي: استعمال المساطر للمماطلة، إذ يمكن الحكم بالتعويض عن التقاضي بسوء نية، وفرض غرامات عندما يتحول الطعن أو التعرض إلى وسيلة لتعطيل تنفيذ الأحكام.

كما يوسع القانون اللجوء إلى الصلح والوساطة، ويمنح المحكمة دوراً أكثر نشاطاً في اقتراح التسوية، بما قد يحول جزءاً من النزاعات من معارك طويلة إلى حلول أسرع وأقل كلفة.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بعد صدور الحكم

سياسياً، يضع القانون الدولة أمام اختبار أكبر من تحديث المسطرة: “اختبار الثقة”، فالعدالة لا تقاس بعدد المنصات الإلكترونية، وإنما بقدرة المواطن على الوصول إلى حقه دون أن يتحول المسار القضائي إلى رحلة استنزاف.

ووزارة العدل نفسها تقر بأن نجاح الإصلاح رهين بحسن التنزيل، وتوحيد الممارسات، والتكوين المستمر وتأهيل الموارد البشرية لمواكبة التحول الرقمي.

لذلك، يبدأ الاختبار الحقيقي للقانون رقم 58.25 اليوم، لا داخل الجريدة الرسمية، بل أمام المواطن والمقاول والدائن والمدين: هل ستصبح العدالة أسرع فعلاً، أم أننا فقط رقمنّا الانتظار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى