
أين اختفت الوظائف؟
تحرير: جيهان مشكور
ليس أصعب على حكومة من شاب مغربي يسألها عن وظيفة، هنا لا تنفع لغة «الإقلاع الاقتصادي»، ولا صور المشاريع الكبرى، ولا خطابات الاستثمار؛ فالشاب لا يريد مؤشراً اقتصادياً ليعلقه على الحائط، بل يريد راتباً آخر الشهر.
وبعد خمس سنوات من قيادة عزيز أخنوش للحكومة، تظل معضلة الشغل واحدة من أكثر الملفات إحراجاً ففي 2025 استقر معدل البطالة عند 13%، لكنه ارتفع إلى 37.2% لدى الشباب بين 15 و24 سنة، فيما بلغ عدد الأشخاص في حالة شغل ناقص 1.19 مليون.. هذه ليست أرقاماً تصلح للدفن في هامش تقرير اقتصادي؛ فخلف كل رقم شاب يؤجل حياته، وأسرة تنتظر دخلاً، ومستقبل يتآكل ببطء.
البطالة ليست كل الحكاية
نعم فرقم العاطلين لا يحكي القصة كاملة؛ فهناك جيل كامل لا يجد طريقه أصلاً إلى سوق الشغل، ووفق المندوبية السامية للتخطيط، يوجد نحو 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة خارج العمل والتعليم والتكوين، فيما تمثل النساء أكثر من 72% من هذه الفئة، وهنا تصبح البطالة أكثر من غياب راتب؛د، بل تصبح غياباً للمسار.
فالشاب الذي لا يشتغل ولا يدرس ولا يتدرب لا ينتظر فقط وظيفة، بل ينتظر فرصة للانتماء إلى اقتصاد بلده، وحين تتحول سنوات الشباب إلى غرفة انتظار طويلة، تصبح الهجرة حلماً جماعياً، ويبدو القارب، في مخيلة البعض، أكثر واقعية من مباراة توظيف.
193 ألف وظيفة.. ولكن أين؟
هنا تستطيع الحكومة أن تضع رقماً على الطاولة: الاقتصاد خلق 193 ألف منصب شغل خلال 2025، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، رقم مهم ولا يمكن تجاهله، لكن المشكلة تبدأ عندما نفتح الرقم ونرى ما بداخله.. فقد أُحدثت 203 آلاف وظيفة في المدن، مقابل فقدان 10 آلاف منصب في العالم القروي، بينما خسر قطاع الفلاحة والغابات والصيد 41 ألف منصب، وبلغ عدد الأشخاص في حالة شغل ناقص نحو 1.19 مليون شخص، لتبدأ هنا الأرقام في السخرية من بعضها: الاقتصاد يعلن أنه خلق وظائف، والقرية ترد بأنها فقدت وظائفها، فالمشكلة ليست فقط كم وظيفة خُلقت، بل أين خُلقت، ولمن، وبأي جودة، وكم ستدوم؟
حين تنزف القرية.. لا ينخفض الرقم وحده
ومن هنا يقودنا ملف التشغيل مباشرة إلى العالم القروي، فالجفاف لم يعد مجرد أزمة فلاحية موسمية؛ بل أصبح أزمة شغل ودخل وهجرة وإفراغ تدريجي للقرى.
الفلاح الذي يعمل يوماً ويتوقف أياماً بسبب ندرة الماء والعمل قد لا يظهر دائماً في خانة «العاطل»، لكنه يعيش أزمة شغل حقيقية، والعامل الذي يترك أرضه متجهاً إلى المدينة لا يحمل معه ملفاً إحصائياً؛ يحمل حقيبة صغيرة، وبعض الأمل، وكثيراً من القلق.
ومع تراجع قدرة الفلاحة على امتصاص اليد العاملة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من أين ستأتي الوظائف الجديدة؟ لتدخل الأوراش الكبرى إلى المعادلة: إذا كانت الفلاحة تتراجع عن دورها التقليدي في خلق فرص الشغل، فهل يستطيع اقتصاد المونديال أن يعوضها؟
المونديال.. وظيفة مؤقتة لحلم دائم؟
يمكن لأوراش مونديال 2030 أن تخلق نشاطاً واستثماراً ووظائف، لكن بشرط أن تتحول من ورش بناء إلى اقتصاد منتج ومستدام.. لأن السؤال الحقيقي ليس ماذا سيحدث أثناء بناء الملاعب، بل: “ماذا سيحدث بعد انطفاء أضوائها؟” فالوظيفة المرتبطة بورش مؤقت ليست وظيفة دائمة، والاقتصاد الذي يعتمد على البناء لإنعاش التشغيل يحتاج في النهاية إلى صناعة وخدمات ذات قيمة مضافة ومقاولات قادرة على الاستمرار بعد انتهاء الأشغال.
أخنوش أمام السؤال الذي لا تجيب عنه الصور
يمكن للحكومة أن تستعرض 193 ألف وظيفة، وأن تتحدث عن الاستثمار والمشاريع والأوراش، لكن عليها في المقابل أن تواجه رقماً آخر: 37.2% من الشباب عاطلون.
وهنا يتغير السؤال:
من: كم مشروعاً بُني؟
إلى: كم شاباً استطاع أن يبدأ بناء حياته؟
لأن الدولة قد تبني طريقاً سريعاً في سنة، وملعباً في سنتين، وميناءً في ثلاث، لكن الشاب الذي ضاعت منه سنوات بلا وظيفة لا يستطيع استرجاعها عندما تنتهي الأشغال.. وهذه هي الفاتورة التي لا تظهر في صور المشاريع: “جيل كامل لا ينتظر مشروعاً جديداً، بل ينتظر أن يبدأ حياته.”




