
انتقلت معركة المغرب مع فاتورة الطاقة من اليابسة إلى سطح الماء، مع دخول محطة واد الرمل الكهروضوئية العائمة مرحلة التشغيل بقدرة تناهز 13 ميغاواط، بالقرب من المركب المينائي طنجة المتوسط.
وأنجزت شركة هيدرو إير بي إكس المشروع لفائدة طنجة المتوسط للمرافق، وتقدمه الشركة المنفذة باعتباره أكبر محطة شمسية كهروضوئية عائمة عاملة في إفريقيا، بأكثر من 22 ألف لوح شمسي موزعة على منصات عائمة، وبإنتاج سنوي يقارب 20 غيغاواط ساعة.
لكن أهمية المشروع تتجاوز حجم الكهرباء التي سينتجها، لأنه يضع الطاقة والماء والتنافسية الاقتصادية داخل معادلة واحدة.
20 غيغاواط ساعة.. كهرباء لمواجهة كلفة الطاقة
المحطة ليست مشروعاً معزولاً، بل جزء من استراتيجية أوسع لرفع الإنتاج الذاتي من الطاقات المتجددة داخل منظومة طنجة المتوسط.
فإنتاج نحو 20 غيغاواط ساعة سنوياً سيوفر جزءاً من احتياجات المركب المينائي والصناعي، فيما يرتقب أن يساهم المشروع في تفادي أكثر من 14 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
وتحمل هذه الأرقام دلالة اقتصادية واضحة، إذ إن إنتاج المنشآت الصناعية والمينائية جزءاً أكبر من احتياجاتها الكهربائية من مصادر متجددة يقلل تعرضها لتقلبات أسعار الطاقة المستوردة، ويعزز قدرتها على المنافسة في أسواق أصبحت المعايير البيئية فيها جزءاً من شروط التجارة والاستثمار.
وينسجم المشروع أيضاً مع هدف المغرب رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من القدرة الكهربائية المنشأة في أفق 2030.
ألواح فوق الماء.. والكهرباء ليست القصة كلها
المفارقة الأبرز أن محطة واد الرمل لا تنتج الكهرباء فقط، بل تلامس مشكلة أخرى لا تقل خطورة: ندرة المياه.
فتغطية جزء من سطح خزان واد الرمل بالألواح الشمسية تحد من تعرض المياه المباشر لأشعة الشمس والرياح، وهو ما يمكن أن يساهم في خفض معدلات التبخر والحفاظ على جزء من المياه المخزنة.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في بلد تراجعت فيه حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة من نحو 2560 متراً مكعباً سنوياً سنة 1960 إلى حوالي 620 متراً مكعباً سنة 2020، وفق معطيات البنك الدولي، مقتربة من عتبة الندرة المطلقة المحددة في 500 متر مكعب للفرد سنوياً.
كما أشار طنجة المتوسط إلى أن خسائر التبخر في الخزانات يمكن أن تصل إلى 30 في المائة.
من سدّ مائي إلى بطارية شمسية
هنا تحديداً تبرز الفكرة الأكثر إثارة في المشروع: تحويل سطح خزان مائي إلى فضاء لإنتاج الكهرباء، بدل استهلاك مساحات إضافية من الأراضي لبناء محطة شمسية تقليدية.
وهكذا يصبح الماء جزءاً من معادلة الطاقة، فيما تتحول محطة الطاقة نفسها إلى وسيلة محتملة للمساهمة في حماية مورد مائي نادر.
إنها مقاربة تقوم على استغلال الفضاء نفسه لتحقيق أكثر من وظيفة: إنتاج الكهرباء، تقليص الانبعاثات، والحد من تبخر المياه.
تجربة طنجة.. هل تصبح نموذجاً وطنياً؟
تتجاوز القيمة الاستراتيجية لمحطة واد الرمل حدود طنجة، لأنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل يمكن تكرار النموذج فوق خزانات وسدود أخرى في المغرب؟
الإجابة ستتوقف على نتائج التجربة من حيث الجدوى التقنية والاقتصادية والبيئية، لكن نجاح النموذج يمكن أن يفتح مجالاً جديداً أمام الاستثمار في الطاقات المتجددة، خصوصاً في بلد يواجه في الوقت نفسه ضغطاً متزايداً على موارده المائية وحاجته إلى تقليص كلفة الطاقة.
ويقدر البنك الدولي حاجات المغرب الاستثمارية المرتبطة بالتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون بنحو 78 مليار دولار.
ثلاث معارك في مشروع واحد
لذلك، فإن ألواح واد الرمل ليست مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، بل اختبار لفكرة أوسع: هل يمكن تحويل أزمتي الطاقة والماء إلى فرصة اقتصادية واستثمارية؟
فالمعادلة الجديدة لا تقوم فقط على إنتاج مزيد من الكهرباء، وإنما على إنتاجها بطريقة تحمي الموارد، وتخفض الانبعاثات، وتدعم تنافسية الاقتصاد.
في واد الرمل، تجتمع ثلاث معارك فوق سطح واحد: معركة الطاقة، ومعركة الماء، ومعركة التنافسية.





