
لم تكن موجة المهاجرين التي وصلت إلى سبتة المحتلة في نهاية يوليوز مجرد أزمة حدودية عابرة، بل تحولت إلى اختبار مبكر لسياسة الهجرة الأوروبية الجديدة، في وقت دخل فيه ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء مرحلة التطبيق الكامل للمرة الأولى.
تشديد إجراءات الفحص على الحدود الخارجية
وجاءت الأزمة في لحظة كانت بروكسل تراهن فيها على أن الميثاق الجديد سيمنح الدول الأعضاء أدوات أكثر تنسيقاً للتعامل مع تدفقات الهجرة، من خلال تشديد إجراءات الفحص على الحدود الخارجية، وتسريع معالجة طلبات اللجوء، وتعزيز آليات التضامن وتقاسم المسؤولية بين الدول.
لكن التطورات في سبتة أعادت طرح سؤال أكثر صعوبة: ماذا يحدث عندما تتجاوز أعداد الوافدين قدرة دولة واحدة على التعامل معها، بينما تبقى الحدود الخارجية للاتحاد خاضعة، في النهاية، لحسابات كل دولة على حدة؟
الميثاق الأوروبي أمام أول اختبار
تزامنت الأزمة مع دخول الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء حيز التطبيق في 12 يونيو الماضي، بعد سنوات من الخلافات بين الدول الأعضاء حول تقاسم أعباء اللجوء، وحماية الحدود، وإعادة المهاجرين.
ويفترض أن يوفر الميثاق إطاراً أكثر توحيداً للتعامل مع طالبي اللجوء، وأن يسرّع الإجراءات على الحدود، إلى جانب وضع آليات للتضامن بين الدول الأعضاء.
غير أن أزمة سبتة أظهرت أن توحيد القواعد لا يعني بالضرورة توحيد القدرة على الاستجابة. فالدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد، وفي مقدمتها إسبانيا وإيطاليا واليونان، تظل الأكثر تعرضاً لضغط الهجرة، بينما تطالب دول أخرى بتشديد الرقابة ومنع انتقال المهاجرين إلى أراضيها.
وهنا تظهر إحدى أقدم معضلات السياسة الأوروبية: كيف يمكن تحقيق التضامن بين الدول عندما تتفاوت مصالحها وحجم الضغوط التي تواجهها؟
سبتة.. أكثر من أزمة هجرة
تكتسب سبتة أهمية تتجاوز موقعها كإحدى نقاط الدخول إلى الأراضي الأوروبية. فالجيب الإسباني الواقع في شمال أفريقيا يمثل نقطة التقاء بين سياسة الهجرة الأوروبية، وأمن الحدود، والعلاقات الإسبانية المغربية.
ولهذا، سرعان ما تحولت الأزمة من ملف أمني وإنساني محلي إلى قضية ذات تداعيات سياسية أوروبية.
وأعادت صور محاولات العبور إلى الواجهة النقاش حول قدرة الاتحاد الأوروبي على حماية حدوده الخارجية، كما وفرت الأزمة مساحة جديدة للأحزاب اليمينية التي تجعل الهجرة والحدود والسيادة الوطنية في صلب خطابها السياسي.
وفي إسبانيا، وجد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز نفسه أمام ضغوط سياسية متزايدة، في وقت اتسعت فيه داخل أوروبا الدعوات إلى تشديد سياسات الردع والترحيل وحماية الحدود.
اليمين يستعيد ملف الهجرة
تؤكد أزمة سبتة مرة أخرى أن الهجرة أصبحت واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في السياسة الأوروبية.
فكل موجة وصول كبيرة تعيد إلى الواجهة مطالب اليمين بتشديد الرقابة على الحدود، وتسريع عمليات الترحيل، وإنشاء مراكز لإعادة المهاجرين، وتقليص فرص الوصول غير النظامي إلى أوروبا.
وقد دعت دول أوروبية إلى اعتماد مقاربة أكثر تشدداً، ما يضع المفوضية الأوروبية أمام معادلة سياسية معقدة.
فالتشدد في مراقبة الحدود قد يعرّض الاتحاد لانتقادات حقوقية، بينما قد يؤدي التردد إلى منح الأحزاب المناهضة للهجرة مزيداً من المساحة السياسية.
لكن التركيز على الحدود وحدها لا يجيب عن السؤال الأساسي.
فالمهاجرون لا يتحركون بسبب ضعف الرقابة الأوروبية فقط، وإنما تدفعهم عوامل متعددة، من البطالة والفقر والصراعات إلى الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين ضفتي المتوسط.
ولهذا، فإن تشديد الرقابة قد يغير مسارات الهجرة، لكنه لا يلغي دوافعها.
المغرب في قلب المعادلة
تكشف أزمة سبتة أيضاً أن أوروبا لا تستطيع التعامل مع الهجرة من داخل حدودها فقط.
فالمغرب يمثل إحدى الدول الرئيسية في مسارات العبور نحو إسبانيا، وهو ما يمنح الرباط أهمية استراتيجية في منظومة التعاون الأوروبي المتعلقة بالهجرة وأمن الحدود.
وتتداخل هذه المسألة مع ملفات أخرى في العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي، من الأمن والتجارة والاستثمار إلى الطاقة والتعاون السياسي.
وبذلك، لم تعد الهجرة مجرد ملف تقني يتعلق بحماية الحدود، بل تحولت إلى جزء من علاقة أوسع بين أوروبا ودول جنوب المتوسط.
هل تعود أوروبا إلى سياسة الجدران؟
الخطر الذي كشفته أزمة سبتة لا يرتبط فقط بحجم موجة العبور، وإنما باحتمال عودة الدول الأوروبية إلى البحث عن حلول وطنية منفردة كلما واجهت أزمة كبيرة.
فإذا اعتبرت الدول الأعضاء أن الآليات الأوروبية المشتركة غير قادرة على التعامل مع تدفقات مفاجئة، فقد تلجأ مجدداً إلى تشديد حدودها الوطنية وفرض قيود مؤقتة على الحركة.
وهذا السيناريو من شأنه أن يضع أحد أسس المشروع الأوروبي، ومنطقة شنغن تحديداً، أمام ضغوط جديدة.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لميثاق الهجرة الجديد لن يكون في قدرته على إنتاج قواعد وإجراءات جديدة، وإنما في قدرته على إدارة أزمة كبيرة من دون أن تعود كل دولة إلى حدودها وحساباتها الخاصة.
اختبار لمستقبل المشروع الأوروبي
أظهرت سبتة أن الاتحاد الأوروبي يستطيع تطوير قوانين جديدة، وتشديد إجراءات الفحص، وتسريع معالجة طلبات اللجوء، لكنه لم يحسم بعد السؤال السياسي الأصعب: من يتحمل المسؤولية عندما تتحول الهجرة من تدفقات متفرقة إلى أزمة جماعية؟
فإذا لم تجد بروكسل إجابة مشتركة، فإن كل أزمة جديدة ستعيد المشهد نفسه: دول حدودية تطالب بالمساعدة، ودول أخرى تطالب بإغلاق الحدود، وأحزاب يمينية تدفع نحو مزيد من الترحيل، ومنظمات حقوقية تحذر من المساس بحقوق طالبي اللجوء.
وفي هذا المعنى، قد لا تكون أزمة سبتة مجرد اختبار لسياسة الهجرة الأوروبية، بل اختباراً أوسع لقدرة الاتحاد على التصرف ككتلة سياسية واحدة عندما تواجهه أزمة تتجاوز حدود دولة واحدة.
فالحدود الأوروبية قد تبدو موحدة على الخرائط وفي القوانين، لكنها تظل وطنية وسياسية عندما تصل الأزمة إلى الأرض.
ومن هنا، فإن نجاح ميثاق الهجرة الجديد لن يقاس بعدد القوانين التي دخلت حيز التنفيذ، بل بقدرة أوروبا على مواجهة الموجة الكبيرة المقبلة دون أن تعود كل دولة إلى حدودها، وحساباتها، ومخاوفها الخاصة.





