اقتصادالرئسية

إخباري تحليلي..السياحة المغربية: سياح أكثر، مداخيل أقل

رغم الأرقام القياسية التي يسجلها المغرب في عدد الوافدين السياح خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الدينامية الكمية لا تنعكس بالقدر نفسه على مستوى العائدات المالية.

اختلالات مرتبطة بتأطير الأسعار وضعف المراقبة

فمتوسط ما يصرفه السائح داخل المملكة يظل دون مستوى العديد من الوجهات المنافسة، ليس فقط بسبب محدودية العروض الترفيهية والتنشيطية ذات القيمة المضافة العالية، بل أيضا نتيجة اختلالات مرتبطة بتأطير الأسعار وضعف المراقبة، خاصة في قطاعات مثل الصناعة التقليدية والخدمات الموجهة مباشرة للسياح، ما يؤثر سلبا على تجربة الزائر ويحد من قدرته على الإنفاق بثقة واستدامة.

في هذا السياق، يستعد المغرب لإطلاق جيل جديد من المشاريع السياحية المبتكرة، في خطوة استراتيجية تقودها الشركة المغربية للهندسة السياحية، تروم مواكبة التحولات العالمية العميقة التي يعرفها القطاع، حيث لم تعد السياحة تقاس فقط بعدد الوافدين، بل بمدى جودة التجربة وقيمتها الاقتصادية.

وتأتي هذه المبادرة في وقت تتزايد فيه المتطلبات المرتبطة بالاستدامة والابتكار التكنولوجي، ما يدفع المملكة إلى إعادة هيكلة عرضها السياحي ليكون أكثر جاذبية وتنافسية.

تراهن السلطات على تحديث العرض الوطني وجذب استثمارات نوعية

وتهدف الدراسة المرتقب إنجازها إلى بلورة محفظة من المشاريع المبتكرة القادرة على الاستجابة لانتظارات المسافرين الجدد، خصوصا في أفق الاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، حيث تراهن السلطات على تحديث العرض الوطني وجذب استثمارات نوعية، بما يضمن تموقع المغرب كوجهة مرجعية على الصعيد الدولي، ليس فقط من حيث العدد، بل أيضا من حيث العائد والقيمة المضافة.

وفي تحليله لهذه الخطوة، اعتبر الخبير السياحي الزبير بوحوت أن الحديث عن جيل جديد من المشاريع السياحية يعكس تحولًا في الرؤية، والانتقال من منطق التركيز على الأرقام المجردة إلى منطق القيمة الاقتصادية الحقيقية.

وأوضح أن المغرب، رغم تصدره المشهد الإفريقي من حيث عدد السياح، لا يزال يعاني من ضعف واضح في المداخيل السياحية مقارنة بمنافسيه المباشرين.

انتقل فرق المداخيل لفائدة مصر من حوالي 3.3 مليارات دولار إلى مستويات أعلى

وبلغة الأرقام، أشار بوحوت إلى أن المنافسة اشتدت بشكل خاص مع مصر، التي استقبلت نحو 19 مليون سائح خلال سنة 2025، مبرزا أن الفارق الذي كان يمنح المغرب تفوقا مريحا من حيث عدد الوافدين تقلص بشكل كبير.

غير أن الإشكال الأعمق، بحسبه، يتمثل في اتساع الفجوة المالية، إذ انتقل فرق المداخيل لفائدة مصر من حوالي 3.3 مليارات دولار إلى مستويات أعلى خلال الفترة الأخيرة.

ويرجع الخبير هذا التفاوت إلى محدودية النموذج السياحي المغربي، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على ليالي المبيت والفنادق، في حين أن السياحة الحديثة تقوم أساسا على الترفيه والتنشيط وتجارب العيش المتكاملة.

واستشهد في هذا الصدد بالانتعاشة التي عرفتها السياحة المصرية بفضل مشاريع كبرى من قبيل المتحف المصري الكبير، الذي شكل رافعة قوية لرفع متوسط الإنفاق السياحي، وهو ما يفتقده العرض المغربي حاليا.

حوالي نصف عدد السياح  يتكون من مغاربة العالم

وبالعودة إلى حصيلة خارطة الطريق السياحية 2023-2026، سجل بوحوت نجاحا لافتا في ما يتعلق بالنقل الجوي، خاصة عبر توسيع الشراكات مع شركات الطيران منخفض التكلفة، وهو ما مكن المغرب من استقبال حوالي 19.8 مليون زائر خلال السنة الجارية، مع هيمنة الأسواق التقليدية، مثل فرنسا وإسبانيا، التي تمثل 53 في المائة من مجموع الوافدين.

غير أن المتحدث نبه إلى أن حوالي نصف هذا العدد يتكون من مغاربة العالم، ما يعكس، بحسبه، الحاجة الملحة إلى تنويع العرض السياحي وتطوير برامج مبتكرة قادرة على رفع القيمة المضافة، مؤكدا أن الاستثمار في الترفيه لم يعد ترفا، بل شرطا أساسيا لتعزيز تنافسية القطاع.

غياب مشاريع ترفيه كبرى

وفي السياق نفسه، أشار بوحوت إلى التأخر الكبير في تنزيل المشاريع الأربعة عشر المهيكلة المنصوص عليها في خارطة الطريق، مثل قصر المؤتمرات والتظاهرات بمراكش ومحطة أوكايمدن، موضحا أن عدم إخراج هذه المشاريع إلى حيز الوجود يعرقل تنويع المنتوج السياحي ويحد من قدرته على استقطاب فئات جديدة من السياح.

كما نبه إلى غياب مشاريع ترفيه كبرى، من قبيل المنتجع الترفيهي الضخم بمراكش، الذي رُصدت له ميزانية تناهز 3 مليارات درهم، مذكرًا بأن الوجهات السياحية العالمية الكبرى، كفرنسا والولايات المتحدة، تعتمد بشكل أساسي على محطات ترفيه دولية من قبيل “ديزني” لرفع الجاذبية وتحفيز الإنفاق.

التحدي الذي يواجه السياحة المغربية اليوم لا يكمن في رفع عدد السياح فقط

وخلص الخبير إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه السياحة المغربية اليوم لا يكمن في رفع عدد السياح فقط، بل في تحسين جودة التجربة السياحية وتسريع إنجاز المشاريع المهيكلة، إلى جانب ضبط الأسعار ومراقبة الممارسات التجارية، لضمان استدامة الجاذبية السياحية وتقليص الفجوة المالية مع المنافسين، بما يوازي الإمكانات السياحية الكبيرة التي تزخر بها المملكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى