الرئسيةثقافة وفنوندابا tv

فيلم “الكلمات”: 3 حكايات متداخلة في قلب الحكاية الكبرى

بقلم الكاتب والإعلامي: عزيز كوكاس

عالجت أفلام عديدة قضية انتحال العمل الإبداعي لشخص آخر، غالبا ما يكون الرجل هو من ينتحل أعمالا إبداعية لزوجته أو لشخص آخر، وما يترتب عنه من نجاح ورفاهية، وفجأة يظهر صاحب الإبداع الحقيقي وما يسببه من ألم لمن وصل قمة المجد دون أي جهد أو عناء كما في فيلم “الأعين الكبيرة” عن التشكيلية التي كان يستغلها زوجها بادعاء أنه هو من يرسم لوحاتها، و”الزوجة” التي سيفوز زوجها بجائزة نوبل عن رواية هي التي كتبتها وهو انتحلها باسمه، كما يمكن الإشارة إلى فيلم “The Hoax”، وهو فيلم درامي أمريكي صدر عام 2006، يروي قصة كاتب مشهور يُدعى “كليفتون إيرفينج”، ادعى أنه كتب سيرة ذاتية للملياردير هوارد هيوز، والتي تبيَّن فيما بعد أنها مزوة..

لا يعرض الفيلم مأساة فردية بقدر ما يضعنا أمام أزمة كتابة

لكن نادراً ما تجرأ فيلم سينمائي على الاقتراب من الكتابة باعتبارها محنة أخلاقية وامتحانًا وجوديا كما فيلم الكلمات The Words بوصفه عملًا يتجاوز الحكاية عن “سرقة أدبية” ليقترح تأملًا عميقًا في سؤال الملكية الرمزية، وفي الحدود الهشّة بين الإبداع والانتحال…

لا يعرض الفيلم مأساة فردية بقدر ما يضعنا أمام أزمة كتابة: ماذا يحدث حين تُبنى الهوية على نص لا ينتمي إلى صاحبه؟ وهل يمكن للكاتب أن يعيش داخل لغة لم يعانِ من أجلها؟

يشتغل فيلم “الكلمات”، إخراج وسيناريو بريان كلوجمان ولي ستيرنال .وبطولة برادلي كوبر وزوي سالدانا، على بنية سردية متداخلة، تُشبه متاهة اعترافات مؤجَّلة، حيث تتوالد الحكايات داخل بعضها البعض، ويضيع الأصل في شبكة من الأصوات والضمائر.

هذه البنية تشبه استراتيجية دلالية تُحاكي ارتباكنا كمتفرجين: هل نحن قرّاء؟ شهود؟ أم شركاء صامتون في الجريمة؟ ذلك أن البنية المتداخلة تجعل المتفرج شريكًا غير بريء يقبل ضمنيًا بفكرة أن الكلمة يمكن أن تُستعار إذا كُتبت جيدًا. وهنا تكمن خطورة الفيلم وجماله معا: إنه لا يُدين من الخارج بقدر ما يُقلق ضمير المشاهدة، ويدفعنا إلى التساؤل عمّا إذا كان السرد، في ذاته، شكلًا ناعما من أشكال التواطؤ.

الحكاية اللولبية المتناسلة.. متاهة السرد

في فيلم “الكلمات” نعثر على قصة داخل قصة داخل قصة، كاتب ناجح يقرأ روايته أمام جمهور ثم تنتقل الكاميرا إلى الرواية المقروءة، حيث يظهر الكاتب الشاب الذي عثر مصادفة على مخطوط قديم ونشره باسمه.

ثم نغوص أعمق، داخل ذاكرة الكاتب الأصلي، حيث تُستعاد القصة الأولى: النص كجرح، والحب كخسارة، والكتابة كتضميد مستحيل.. سلسلة من الصدف التي تغير مجرى حياة الشخوص بنوع من الميلودراما الكاسحة، كاتب يدعى كلايتون هاموند (دينيس كويد) يقرأ فصولا من روايته الجديدة في مكتبة مانهاتن.

وطالبة دراسات عليا ذكية وجريئة تقع في حب كلايتون هاموند عند قراءته كتابه الجديد الذي يدور حول قصة روائي وجد حقيبة مفقودة لكاتب أمريكي في متجر للتحف في باريس.

معظم أحداث فيلم “الكلمات” تدور حول الروائي المنتحل روري جانسن (برادلي كوبر) وزوجته دورا، التي أدت دورها الممثلة زوي سالدانا بعد أن تخلصت من بشرتها الزرقاء في فيلمAvatar ، لتنتقل من الخيال إلى العالم الواقعي في علاقتها العاطفية بتقلباتها ويأسها رفقة زوجها، الكاتب الفاشل الذي قام بمحاولات عديدة لإبراز موهبته في الكتابة لكن الفشل كان مصير كل محاولاته، سيتزوج من دورا ويذهبان إلى باريس وهناك وجد روري يانسن رواية جميلة مخطوطة في حقيبة جلدية قديمة اشتراها من أحد متاحف باريس، ونشرها على أنها روايته.

تنسج حبكة الفيلم خيوطها مثل العنكبوت

بالعودة إلى المنزل في شقة الزوجين في بروكلين، يكتشف روري مخطوطة ممزقة مخفية في الحقيبة، تنسج حبكة الفيلم خيوطها مثل العنكبوت، كلمة، كلمة. زوجته تقرأه معتقدة أنها كلماته، ثم وكيله، ثم الناشر الذي انبهر به. وبعد ذلك الجميع. ليصل إلى باب الشهرة والمجد.


سيجد الكاتب المنتحل نفسه في متنزه يجري محادثة مع عجوز يروي له قصة حب مع عشيقة باريسية سيليا (نورا أرنيزيدر)، لتعود بنا أحداث الفيلم إلى باريس بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، عندما وقع جندي أمريكي شاب (بن بارنز) في حب فاتن مع نادلة التقاها في مقهى، كاوا يعيشان معا في شقة في الطابق السفلي. لديهم طفل سيموت بسبب مرض غامض، تهجره معشوقته التي تذهب لبيت والديها، يصبح عصبيا، يبدأ في كتابة سيرته الذاتية بجنون..

ستتحول هذه المخطوطة السحرية، إلى محرك لأحداث كثيرة، تحيلنا على قصة أخرى هي قصة الكاتب المنتحل، ثم إلى القصة الأم التي تدول حول الرجل العجوز، الذي أدى دوره الممثل جيريمي آيرونز، إنه ليس غاضبا من انتحال يانسن، لكن فيه أمر مثير للانتباه، فهو شخصية غامضة تجلس على مقعد في حديقة جنبا إلى جنب مع روري، مؤلف قصته السحرية التي تعتبر الكتاب الأكثر مبيعًا دموع النوافذ The Window Tears ، بقدر ما يبدو العجوز متسامحا وبكبرياء يرفض تعويض الكاتب المنتحل وينصحه باستمرار في تمثيل دور الروائي الناجح..

جمالية الكبح وبطء إيقاع يُحاكي الإحساس بالذنب

يقوم البعد الفني فيلم على تقييد الانفعال ومنع التطهير. ويختار عمدًا، على مستوى الصورة والإيقاع والأداء، لغة جمالية متحفّظة، كأن الشكل السينمائي نفسه يرفض التواطؤ مع الجريمة الأخلاقية التي يحملها النص. حيث يعتمد المخرج على لوحة لونية هادئة ومطفأة، تميل إلى الرمادي والبني والأزرق البارد. ألوان لا تسعى إلى خلق مزاج نوستالجي رومانسي، بقدر مت تعمق فينا عملية تحييد العاطفة. لا شيء في الصورة يدعونا إلى الإعجاب بالنجاح أو الافتتان بالمجد الأدبي، فالمكاتب، الشقق، قاعات القراءة، وحتى لحظات الحب، كلها مصوَّرة كفضاءات مغلقة، شبه محايدة، تفتقر إلى الدفء.

غالبا ما تبرز الكاميرا ثابتة أو بطيئة الحركة، وهو ما يمنح الإحساس بأن الشخصيات مراقَبة أكثر مما هي حرة. لا توجد لقطات استعراضية ولا زوايا تُمجِّد البطل. إننا أمام سينما تُمسك بالشخصية من مسافة أخلاقية، لا تسمح لها بالتحول إلى بطل مأساوي بالمعنى الكلاسيكي.

لذلك فالإيقاع العام للفيلم يكاد يكون بطيئًا معظم المقاطع، خصوصا في المشاهد التي تلي النجاح. فالمأساة لا تقع دفعة واحدة، والشعور بالذنب يُستنزَف ببطء على شكل أيام عادية، ونجاحات متتالية، وابتسامات رسمية. حتى لحظات المواجهة بين الكاتب الشاب وصاحب النص الأصلي تُقدَّم دون تصعيد موسيقي أو انفعال درامي مبالغ فيه. الصمت، والتردد، والتكرار البطيء للكلمات، كلها عناصر تجعل المشهد أقرب إلى جلسة محاسبة داخلية منه إلى صراع خارجي.

الأداء التمثيلي: اقتصاد التعبير

يشتغل الأداء التمثيلي بمنطق الكبت لا التفجير، فالشخصية الرئيسية تُجسَّد بوجه متردّد، ونبرة صوت خافتة وحركات جسدية محدودة كأن الجسد نفسه لا يثق بالكلمات التي ينطق بها.

في المقابل، يأتي أداء الكاتب العجوز مشحونا بثقل التجربة، لكن دون روح خطابية: صوته منخفض، نظرته ثابتة وكلماته قليلة، ما يمنحه سلطة أخلاقية عميقة. من هنا التفاوت في الأداء بين صوت المنتحل الشاب الذي يملك الكلمات لكنه يفتقد الشرعية والعجوز الذي يفتقد الكلمات لكنه يملك الحقيقة.

تأتي الموسيقى التصويرية خجولة، شبه خلفية، يقتصر حضورها الوظيفي على الربط بين الأزمنة والمستويات السردية، لا على تضخيم الدراما. وهذا الخيار يعزّز فكرة أن الفيلم لا يريد تجميل الذنب ولا تحويله إلى ملحمة وجدانية.

في مستوى أعمق، يمكن القول إن الفيلم يضع الشكل في خدمة السؤال، ويجعل من الاقتصاد الفني موقفًا أخلاقيًا بحد ذاته، كأن مخرجه يعترف ضمنيا بعجز السينما عن إنقاذ الكلمة. فالصورة، مهما كانت دقيقة، لا تستطيع أن تمنح النص المسروق شرعية. بل على العكس، كلما ازدادت الصورة وضوحا، ازداد انكشاف الزيف، حيث تتحول السينما إلى أداة كشف لا تبرير، وإلى فضاء مساءلة لا احتفاء.

في القادم… القتلة هم من يموتون والضحايا ينجون في فيلم “ذات مرة في هوليوود”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى