
تحرير: جيهان مشكور
مع كل رمضان يتجدد السؤال ذاته في الشارع المغربي: إذا كانت الشياطين تُصفَّد كما جاء في الحديث النبوي الشريف، فلماذا تتصاعد حدة التوتر قبيل أذان المغرب؟ ولماذا تتحول الدقائق الأخيرة قبل الإفطار إلى ما يشبه حالة طوارئ نفسية مفتوحة على احتمالات الشجار والعنف؟
المفارقة تبدو صارخة بين روحانية الشهر وواقع “ساعة الذروة” التي تتكاثف فيها الأعصاب المشدودة في الأسواق والطرقات.
بين النص الديني وتفسير النفس البشرية
في الوعي الديني، يُستحضر الحديث النبوي الذي يشير إلى تصفيد الشياطين في رمضان، غير أن هذا المعطى الروحي لا ينفي وجود دوافع داخلية متجذرة في النفس البشرية، فقد ربط علماء الاجتماع وعلم النفس السلوكي هذه الظاهرة بما يسمى “الاستثارة الفيزيولوجية”، حيث يؤدي انخفاض مستوى السكر في الدم ونقص النيكوتين لدى المدخنين والكافيين لذى مدميني القهوة مثلا.. إلى زيادة القابلية للغضب بنسبة قد تصل إلى 30% حسب دراسات في علم الأعصاب السلوكي، وهنا لا يعود الشيطان الخارجي هو الفاعل الأساسي، بل تتحول “النفس الأمارة” إلى مصدر التوتر، خاصة لدى الأفراد الذين لم يطوروا مهارات ضبط الانفعال أو إدارة الضغط.
اقتصاد يومي يضغط على الأعصاب
لا يمكن عزل “الترمضينة” عن السياق الاقتصادي والاجتماعي، فشهر رمضان في المغرب يرتبط بارتفاع ملحوظ في تكاليف المعيشة، فتقارير المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى أن نفقات الأسر الغذائية ترتفع بما يقارب 20% خلال هذا الشهر، في وقت تعرف فيه القدرة الشرائية تآكلاً مستمراً بسبب التضخم..
هذا الضغط الاقتصادي ينعكس نفسياً على الأفراد، خاصة في المدن الكبرى حيث تتضاعف كثافة المرور وتشتد المنافسة على الوقت والموارد، هكذا تتحول الدقائق الأخيرة قبل الإفطار إلى ذروة يومية للتوتر، تتقاطع فيها العوامل البيولوجية مع القلق المعيشي، لتتداخل السيكولوجيا الفردية مع البنية الاقتصادية: صائم مرهق، جيب مثقل بالمصاريف، وشارع مكتظ، فتكون النتيجة انفجاراً صغيراً يبرره الجميع بعبارة واحدة: “راه غير الترمضينة”.
قناع اجتماعي أم فشل في التربية الذاتية؟
اللافت أن هذا المصطلح الشعبي أصبح في حد ذاته آلية تبرير جماعية، فبدل أن يُنظر إلى الغضب كسلوك مرفوض، يُمنح له عذر موسمي مؤقت، وكأن الأخلاق يمكن أن تدخل في عطلة نهارية طوال شهر كامل، هذه المرونة الأخلاقية تكشف خللاً أعمق في مفهوم الصيام ذاته، حين يتحول إلى طقس شكلي بدل أن يكون تمريناً على تهذيب النفس.
المسؤولية المشتركة: من البيت إلى السياسات العامة
لا يمكن مواجهة الظاهرة بالوعظ الديني فقط، بل تحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات، تبدأ من الأسرة التي تُعلم أبناءها التحكم في الانفعالات، وتمر عبر المدرسة والإعلام في ترسيخ ثقافة الصبر، ولا تنتهي عند السياسات العمومية التي تنظم أوقات العمل وتخفف ضغط التنقل خلال رمضان.
في النهاية، لا تبدو “الترمضينة” لغزاً دينياً بقدر ما هي مرآة اجتماعية تكشف هشاشة علاقتنا بذواتنا.. فحين تُصفَّد الشياطين ولا نهدأ، فالمشكلة لم تعد في الخارج… بل في الداخل الذي لم نتعلم بعد كيف نصومه.





