
المغرب في مرآة الازدهار.. حين يسبق الإسمنتُ المدرسة
76 عالمياً في الازدهار، و122 في التعليم، وبين الرقمين تختبئ قصة المغرب كاملة: اقتصاد يراهن على الاستثمار والمشاريع الكبرى والتحول الصناعي، ومدرسة ما تزال عاجزة عن منح جزء كبير من أبنائه الأساسيات التي يحتاجونها للعبور إلى المستقبل.. لذلك، فإن المشكلة التي يكشفها مؤشر الازدهار العالمي 2026 ليست مجرد ترتيب على لائحة دولية، بقدر ما هي سؤال سياسي مزعج: أي ازدهار هذا الذي يترك المدرسة متأخرة عن الاقتصاد؟
اقتصاد”يتقدم”.. لكن الإنسان لا يلحق به
وفق مؤشر معهد ليغاتوم، الذي يستند إلى أكثر من 130 مؤشراً فرعياً و615 ألفاً و877 نقطة بيانات، يحتل المغرب المرتبة 76 من أصل 161 دولة، لكن الرقم يصبح مضللاً إذا عُزل عن تفاصيله، لأن الازدهار لا يصنعه حجم المشاريع وتدفق الاستثمارات وحدهما، بل يقاس أيضاً بقدرة الدولة على تحويل النمو إلى معرفة ومهارات وفرص.
وهنا تبدأ المفارقة: المغرب يشيّد اقتصاداً يريد أن ينافس عالمياً، بينما تكافح المدرسة لتأمين الحد الأدنى من التعلمات، حيث قدّر البنك الدولي أن نحو 60% من الأطفال المغاربة في سن العاشرة غير قادرين على قراءة وفهم نص بسيط بنهاية التعليم الابتدائي.
122.. الرقم الذي يفسد الاحتفال
المرتبة 122 عالمياً في التعليم ليست تفصيلاً يمكن دفنه وسط أرقام الاستثمار والنمو، بل هي إنذار بأن الطريق بين المدرسة والاقتصاد ما يزال مليئاً بالثقوب، فنتائج PISA 2022 تزيد الصورة قسوة: 46% من التلاميذ المغاربة صرحوا بأنهم أعادوا سنة دراسية واحدة على الأقل، مقابل 9% فقط في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: القضية ليست كم تلميذاً يدخل المدرسة، وإنما ماذا يتعلم داخلها، وماذا يستطيع أن يفعل بهذا التعلم عندما يغادرها؟ فالاقتصاد الذي يريد المنافسة عالمياً يحتاج، قبل كل شيء، إلى مدرسة قادرة على إنتاج الإنسان الذي سيقود هذه التحولات، وإلا تحولت الشهادة إلى ورقة انتظار بدل أن تكون أداة للترقي الاجتماعي.
من مقعد الدراسة إلى طابور الانتظار
وتكشف الأرقام القادمة من سوق الشغل ثمن هذا الانفصال، صحيح أن الاقتصاد خلق 193 ألف منصب خلال 2025، لكن البطالة بلغت 13%، وقفزت إلى 37.2% لدى الشباب بين 15 و24 سنة، بينما بلغت 19.1% لدى حاملي الشهادات، كما ارتفع عدد العاملين في حالة شغل ناقص إلى 1.19 مليون شخص.
والأكثر إزعاجاً أن 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة يوجدون خارج العمل والتعليم والتكوين، أي 33.6% من هذه الفئة، و76% منهم بلا شهادة مؤهلة.
وهكذا تتحول أزمة المدرسة إلى فاتورة اقتصادية واجتماعية: شباب لا يمتلكون المهارات الكافية، وشهادات لا تضمن الاندماج، وسوق عمل يواجه تحدي مواءمة الكفاءات المتاحة مع حاجيات التحول الاقتصادي.
المشكلة ليست في غياب الإصلاح.. بل في حصيلته
المغرب لا يعاني من نقص الاستراتيجيات ولا أسماء البرامج ولا الوعود بإصلاح المدرسة، بل من فجوة مزمنة بين ما تعلنه الإصلاحات وما تنتجه المدرسة فعلياً. والسؤال الأصعب لم يعد: كم مشروعاً أطلقنا؟ بل: متى يصبح الإصلاح نتيجة ملموسة لا مجرد مشروع جديد؟
لأن الدولة التي تستطيع إنجاز ميناء عالمي ومركب صناعي وملعب ضخم خلال سنوات، يفترض أن تكون قادرة أيضاً على ضمان أن يقرأ طفل في العاشرة نصاً ويفهمه.
المشكلة، إذن، ليست في أن المغرب لا يستثمر، بل في ما إذا كان يستثمر بالقدر نفسه من التصميم في الإنسان الذي سيشغّل كل ما يبنيه.
فالازدهار الذي يُقاس بالإسمنت وحده قد يصنع صورة قوية للدولة، لكنه لا يصنع مستقبلاً مقنعاً للمواطن، وبينما تتقدم المشاريع على الخرائط، يبقى السؤال معلقاً فوق المدرسة وسوق الشغل معاً: هل نبني اقتصاد المستقبل بعقلية مدرسة الماضي؟





