
لم يكن لجوء المحكمة الدستورية إلى صيغة «تعذر البت» في قرارها رقم 277/26 بشأن قانون تنظيم مهنة المحاماة سابقة في تاريخ القضاء الدستوري المغربي، خلافا لما ذهب إليه بعض النقاشات التي أعقبت صدور القرار.
فهذه العبارة سبق أن حضرت في قرارات صادرة عن المجلس الدستوري، ثم عن المحكمة الدستورية نفسها، في سياقات مختلفة، عندما تعذر على جهة الرقابة الدستورية الانتقال إلى فحص مضمون النص بسبب اختلالات مرتبطة بالإحالة أو بالوثائق والإجراءات التي أحاطت بها.
غير أن أهمية القرار الأخير لا تكمن في الصيغة نفسها، بقدر ما تكمن في السياق الذي وردت فيه، وطبيعة القانون المعروض، والظرفية السياسية والمهنية التي رافقت مساره التشريعي.
فمن الناحية القانونية البحتة، يمكن وضع القرار ضمن سلسلة من الاجتهادات التي تكرس فكرة أساسية مفادها أن الرقابة الدستورية لا تنفصل عن سلامة الإحالة، وأن المحكمة لا تتحول إلى جهة لتدارك النواقص الإجرائية التي تقع على عاتق الجهة المحيلة.
«تعذر البت».. صيغة أقدم من الجدل الحالي
العودة إلى اجتهادات القضاء الدستوري تكشف أن صيغة «تعذر البت» ليست وليدة القرار المتعلق بقانون مهنة المحاماة. فقد سبق للمجلس الدستوري أن اعتمدها في القرار رقم 928/13 الصادر بتاريخ 14 نونبر 2013، بشأن النظام الداخلي لمجلس المستشارين.
فقد اعتبر المجلس آنذاك أن الإحالة لم تستوف الشروط الدستورية المطلوبة، بعدما تم تقديم تعديلات على النص الأصلي للنظام الداخلي السابق دون إرفاق النص الكامل للمقتضيات المعنية، مع الاكتفاء بإعادة ترتيبها وترقيمها.
وخلص المجلس إلى أن طريقة الإحالة لم تحترم مقتضيات الفصل 69 من الدستور، الأمر الذي جعل البت في مدى مطابقة النظام للدستور «متعذراً على الحال».
وتكتسي هذه السابقة أهمية خاصة لأنها تؤكد أن القضاء الدستوري لا ينظر فقط في مضمون النصوص، وإنما يتحقق قبل ذلك من توفر الشروط التي تسمح له أصلاً بممارسة اختصاصه الرقابي.
وهذا المنطق لم يتوقف عند مرحلة المجلس الدستوري. فبعد إحداث المحكمة الدستورية بموجب دستور 2011 وتنظيمها بالقانون التنظيمي رقم 066.13، استمرت الصيغة نفسها في الظهور ضمن اجتهاداتها، من بينها القرار رقم 96/19 الصادر في 2 شتنبر 2019، والقرار رقم 107/20 الصادر في 6 غشت 2020، فضلاً عن قرار آخر صدر في 12 يونيو 2018.
وبالتالي، فإن القول إن قرار 277/26 أسس لأول مرة لهذا النوع من المنطوق لا يصمد أمام مراجعة الاجتهاد الدستوري السابق. الجديد ليس في عبارة «تعذر البت» ذاتها، وإنما في الملف الذي استعملت فيه، وفي التداعيات السياسية والمهنية التي أحاطت به.
من مراقبة الدستورية إلى مراقبة شروط الإحالة
المسألة الجوهرية هنا تتعلق بالحد الفاصل بين وظيفتين: وظيفة القضاء الدستوري باعتباره هيئة لمراقبة مدى مطابقة القوانين للدستور، ووظيفة الجهة المحيلة التي تتحمل مسؤولية تقديم ملف مكتمل ومستوفٍ للشروط القانونية والدستورية.
فعندما تكون الوثائق اللازمة لفحص النص غير مكتملة، أو عندما تكون هناك مشكلة مرتبطة بمسار الإحالة، فإن المحكمة تجد نفسها أمام سؤال سابق على سؤال الدستورية نفسه: هل تتوفر لديها المعطيات القانونية التي تسمح لها بممارسة الرقابة؟
ومن هذا المنظور، فإن «تعذر البت» لا يعني بالضرورة أن المحكمة وجدت النص دستورياً، كما لا يعني أنها أعلنت عدم دستوريته. بل يعني، في جوهره، أن المحكمة لم تنتقل إلى مرحلة الحكم على مضمون النص لأن شرطاً سابقاً حال دون ذلك.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط التي أثارت الالتباس في النقاش العمومي: الخلط بين رفض الطعن، والحكم بدستورية النص، وعدم القدرة على البت فيه. وهذه أوضاع قانونية مختلفة، ولكل منها آثارها ومبرراتها.
لماذا أثار القرار الأخير كل هذا الجدل؟
لو تعلق الأمر بنص تقني أو بنظام داخلي لمؤسسة دستورية، لربما مر القرار في سياق قانوني محدود. لكن الأمر يتعلق هذه المرة بقانون ينظم مهنة المحاماة، وهي مهنة تقع في قلب منظومة العدالة، وترتبط مباشرة بحقوق الدفاع وبعلاقة المحامي بالمحكمة وبالمتقاضي وبالإدارة القضائية.
ثم إن القانون لم يصل إلى المحكمة في ظرف عادي. فقد سبقه نقاش مهني وسياسي حاد، واحتجاجات وإضرابات للمحامين، وتعطيل للمحاكم، وتبادل للاتهامات بشأن عدد من مقتضيات النص ومساره التشريعي.
لذلك، أصبح قرار «تعذر البت» أكبر من مجرد تقنية قضائية. فقد تحول إلى حلقة جديدة في صراع طويل حول قانون كان يفترض أن يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة وهيئة المحامين، لكنه وجد نفسه في قلب مواجهة أوسع حول استقلال المهنة، وحدود السلطة التشريعية، وطريقة تدبير الإصلاحات المرتبطة بالعدالة.
شهر كامل.. لماذا تأخر القرار؟
النقطة الأكثر إثارة في القرار ليست بالضرورة منطوقه، وإنما المدة التي استغرقتها المحكمة قبل الإعلان عنه.
فمن وجهة نظر بعض القانونيين، إذا كانت المحكمة قد انتهت في نهاية المطاف إلى وجود مانع إجرائي يحول دون البت في الجوهر، فإن السؤال المشروع هو: لماذا استغرق الوصول إلى هذه الخلاصة قرابة شهر؟
هذا السؤال لا يعني بالضرورة أن المحكمة كانت مطالبة بإصدار القرار خلال أيام، لأن آجال عمل القضاء الدستوري لا يمكن اختزالها في تقديرات سياسية أو مهنية. لكنه يفتح نقاشاً أعمق حول طبيعة المقتضيات التي كان يفترض بالمحكمة فحصها، وما إذا كانت الإشكالات المتعلقة بالإحالة تستوجب كل هذه المدة.
وهنا يبرز رأي آخر يرى أن المحكمة كان بإمكانها، في إطار سلطتها، طلب استحضار الوثائق الناقصة أو استكمال عناصر الملف، خصوصاً أن الأمر يتعلق بنص تشريعي مر بمراحل متعددة داخل المؤسسة التشريعية.
غير أن هذا الرأي يصطدم بسؤال آخر: هل المحكمة الدستورية مطالبة أصلاً بتصحيح مسار الإحالة واستكمال الملف مكان الجهة التي أحالته؟
سابقة المسطرة المدنية تعيد النقاش إلى الواجهة
يزداد هذا الجدل حدة عند استحضار تعامل المحكمة الدستورية مع قانون المسطرة المدنية سنة 2025، حين انتقلت إلى فحص جوهر عدد من المقتضيات المعروضة عليها، وهو ما جعل بعض المتابعين يتساءلون عن اختلاف التعامل بين الملفين.
لكن المقارنة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن اختلاف النتائج قد يكون مرتبطاً باختلاف طبيعة الوثائق المتاحة للمحكمة، وبسلامة المسار الإجرائي في كل ملف، وليس بالضرورة بتغير في المبدأ الذي يحكم عمل المحكمة.
وبمعنى آخر، لا يمكن بناء استنتاج سياسي أو مؤسساتي مباشر من مجرد اختلاف منطوق قرارين، دون فحص دقيق للوقائع الإجرائية والوثائق التي كانت بين يدي المحكمة في كل قضية.
المسؤولية.. المحكمة أم الجهة المحيلة؟
من أكثر الأسئلة حساسية في هذه القضية تحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية الوضع الذي انتهى إليه القرار.
فوفق المنطق الذي اعتمدته المحكمة، فإن الإحالة ليست مجرد إجراء شكلي يمكن تجاوزه متى كان مضمون القانون واضحاً. الجهة التي تحيل النص إلى المحكمة تتحمل مسؤولية توفير العناصر التي تمكن القضاء الدستوري من ممارسة اختصاصه.
وفي الحالة الراهنة، تبرز مسؤولية رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، باعتباره الجهة التي أحالت القانون، بحسب المعطيات التي أثيرت في هذا الملف.
وهنا يصبح النقاش أبعد من قانون المحاماة نفسه، لأنه يتعلق بسؤال مؤسساتي: من يتحمل تبعات الخطأ الإجرائي عندما يصل نص تشريعي مثير للجدل إلى المحكمة الدستورية في وضع لا يسمح لها بفحص جوهره؟
إذا كانت المسؤولية تقع على الجهة المحيلة، فإن «تعذر البت» يصبح نتيجة طبيعية لاختلال سابق على تدخل المحكمة. أما إذا كان بالإمكان تجاوز النقص الإجرائي دون المساس بمبدأ الفصل بين السلطات، فإن الجدل حول حدود سلطة المحكمة في استكمال الملف يظل مشروعاً.
البعد السياسي.. قراءة تحتاج إلى الحذر
الربط بين القرار والظرفية السياسية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية، قد يبدو مغرياً في ظل الحساسية الكبيرة التي أحاطت بالقانون، لكنه يحتاج إلى الفصل بين القراءة السياسية للقرار والحجة القانونية التي بني عليها.
فالمحكمة الدستورية، من حيث المبدأ، لا يفترض أن تتعامل مع النصوص وفق حسابات الانتخابات أو موازين القوى السياسية. لكن هذا لا يمنع الباحثين والمراقبين من دراسة السياق السياسي الذي صدر فيه القرار وتأثيره المحتمل على مختلف الأطراف.
فقانون المحاماة ليس مجرد نص تقني؛ إنه يمس فئة مهنية منظمة وقوية، ويؤثر في سير العدالة، وجاء في مرحلة تتقاطع فيها إصلاحات مؤسساتية مع استعداد البلاد لاستحقاقات انتخابية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا اكتسب القرار كل هذه الحساسية، حتى وإن كان أساسه المباشر إجرائياً.
القرار لا يحسم المعركة.. بل يؤجلها
الأهم أن «تعذر البت» لا يعني أن الجدل حول قانون المحاماة انتهى. على العكس، قد يكون القرار قد نقل النقاش من مضمون القانون إلى المسار الذي أوصله إلى المحكمة.
فبدلاً من أن تكون المعركة حول دستورية مقتضى معين، أصبح السؤال: هل كانت الإحالة مكتملة؟ ومن يتحمل مسؤولية النقص؟ وهل كان بإمكان المحكمة أن تتدخل لاستكمال الوثائق؟ وهل يمثل هذا القرار تشدداً إجرائياً أم حفاظاً على حدود الاختصاص؟
وهذه الأسئلة تجعل القرار مادة خصبة للنقاش القانوني، لأن القضية لا تتعلق فقط بقانون المحاماة، بل بمستقبل العلاقة بين المؤسسة التشريعية والقضاء الدستوري.
بين احترام المسطرة وانتظار الحسم في الجوهر
في نهاية المطاف، يبدو أن جوهر الجدل لا يدور حول كون «تعذر البت» سابقة أم لا؛ فالتاريخ الدستوري المغربي يقدم أكثر من مثال على استعمال هذه الصيغة.
المسألة الأهم هي ما إذا كان التشدد في احترام شروط الإحالة يخدم الرقابة الدستورية أم يحد من فعاليتها.
فالرقابة الدستورية لا يمكن أن تكون فعالة إذا لم تحترم المؤسسات التي تحيل القوانين عليها قواعد الإحالة وشروطها. وفي المقابل، فإن القضاء الدستوري مطالب دائماً بتحقيق توازن دقيق بين احترام الإجراءات وبين ضمان عدم تحول الشكليات إلى عائق يحول دون فحص نصوص لها آثار واسعة على المجتمع.
ومن هذه الزاوية، فإن قرار 277/26 قد يكون أهم من مجرد خلاف حول قانون المحاماة. فهو يضع أمام المؤسسات الدستورية سؤالاً أوسع: أين تنتهي مسؤولية الجهة المحيلة، وأين تبدأ مسؤولية المحكمة الدستورية؟
وهو سؤال سيظل مفتوحاً، خصوصاً إذا عادت مقتضيات القانون نفسه إلى الواجهة عبر مسار تشريعي جديد أو إحالة أخرى مستوفية للشروط. عندها فقط سيكون ممكناً معرفة ما إذا كان «تعذر البت» قد أغلق باب الرقابة على هذا القانون، أم أنه لم يكن سوى محطة إجرائية سبقت معركة الدستورية الحقيقية.





