
سوس ماسة.. «النزيف الضريبي» يخنق ناقلي البضائع
لم تعد أزمة نقل البضائع في سوس ماسة مجرد شكوى مهنية من ارتفاع التكاليف أو خلاف حول احتساب الضريبة، أربع مراسلات مستعجلة وجهتها الكتابة الجهوية للنقابة الوطنية للنقل الدولي والوطني التابعة للاتحاد المغربي للشغل تضع أمام الدولة صورة أكثر قتامة: مقاولات تقول إنها تكافح للبقاء، فيما تلاحقها المراجعات والتفتيشات والغرامات، وسط سوق تستنزفها المنافسة وتكاليف التشغيل.
لم تطرق النقابة أبواب الإدارة فقط، بل وجهت رسائلها إلى والي الجهة، والمدير الجهوي للضرائب، والمدير العام للضرائب بالرباط، ووزير النقل واللوجيستيك، مطالبة بتدخل عاجل قبل أن يتحول ما تصفه بـ«النزيف الضريبي» إلى موجة إفلاسات وتشريد لأسر مرتبطة مباشرة وغير مباشرة بالقطاع.
مقاولة يُطلب منها أن تصمد.. ثم تُستنزف
تبدو المفارقة التي تصورها النقابة في قلب الأزمة أكثر قسوة حين توضع أمام الأرقام، فالمقاولات الصغيرة والمتوسطة تمثل 93% من مجموع المقاولات بالمغرب، وتشغل 46% من اليد العاملة، وتساهم بنحو 40% من الناتج الداخلي الخام و31% من الصادرات، لذلك، فإن سقوط مقاولة نقل صغيرة لا يعني فقط إغلاق شركة، بل قد يعني فقدان وظائف وضرب حلقات في سلسلة التوريد والتوزيع والإنتاج.
وفي سوس ماسة، تقول النقابة إن الكلفة ترتفع بينما ظلت أسعار النقل مجمدة لسنوات، في ظل ما تسميه «سياسة الإغراق»، بالتزامن مع تراجع الطلب، خصوصاً في النقل الفلاحي الموجه للتصدير، ومع تراجع صادرات القطاع الزراعي والأغذية إلى نحو 26.8 مليار درهم عند متم مارس 2026، بانخفاض 2.3% سنوياً، تصبح أزمة النقل جزءاً من ضغط أوسع على اقتصاد جهوي شديد الارتباط بالفلاحة والأسواق الخارجية
دعم للمحروقات.. ثم فاتورة ضريبية ثقيلة
هنا تبرز المفارقة التي تستفز النقابة: الدولة تقدم دعماً للمحروقات وصفته بالرمزي لتخفيف كلفة التشغيل، ثم يجد المهني نفسه، بحسب مراسلاتها، أمام مراجعات ضريبية وغرامات وزيادات تقول إنها قد تتجاوز قدرة المقاولة بعشرات المرات.
وتعتبر النقابة أن تحميل مقاولات محدودة الرأسمال مبالغ ضخمة قد يحول الضريبة من مورد للخزينة إلى «مقصلة» اقتصادية تقطع آخر شريان للسيولة، والمفارقة أن الدولة تحتاج إلى الضريبة، لكنها تحتاج قبلها إلى بقاء المقاولة قادرة على الإنتاج والتشغيل والأداء.
إنذار نقابي يتجاوز الضريبة
مطالب النقابة واضحة: وقف المراجعات والتفتيشات فوراً، وفتح حوار عاجل، ومراجعة معايير احتساب الضريبة بما يراعي خصوصية النقل، وإلغاء الغرامات والزيادات المترتبة عنها، وبإعلانها الاحتفاظ بحقها في خوض «كافة الأشكال النضالية المشروعة»، تنقل النقابة الملف من مكتب الضرائب إلى المجال الاجتماعي والسياسي، فالسؤال لم يعد فقط: كم ستدفع المقاولة؟ بل: هل تحمي الدولة المقاولة وهي تحصّل مواردها، أم تجعل من الجباية عبئاً إضافياً يدفع بعضها إلى حافة الإفلاس؟




