الرئسيةمجتمع

بطولة يومية: نساء الحوز يحفظن الذاكرة والقرية

تحرير بثينة المكودي

في أعالي جبال الأطلس الكبير، حيث القرى معلّقة بين السماء والصخور، تعيش نساء الحوز حياة لا تشبه المدن ولا تعرف الرفاه، هناك، تبدأ الحكاية مع أول خيط للفجر، حين تستيقظ النساء قبل الجميع ليُشعلن نار اليوم الجديد، خبز في فرن تقليدي، ماء يُجلب من العيون البعيدة، وأطفال ينتظرون دفء الأم قبل دفء الشمس.

لكن الزلزال شتنبر 2023 غيّركل شيء.

لم يعد الحديث فقط عن تعب الحياة اليومية، بل عن امتحان قاسٍ للإنسان والذاكرة معا في لحظة واحدة، انهارت بيوت، وتكسّرت طرق، ووجدت قرى كاملة نفسها أمام سؤال البقاء.

وسط هذا المشهد الصعب، برزت نساء الحوز بصورة مختلفة ليس فقط كضحايا لكارثة طبيعية، بل كقوة اجتماعية أعادت ترتيب الحياة وسط الفوضى.

حين تصبح المرأة قلب القرية

في القرى الجبلية الصغيرة، لا تقوم الحياة على المؤسسات بقدر ما تقوم على التضامن. ولهذا، عندما وقع الزلزال، كانت النساء أول من أعاد جمع شتات الناس.

هنّ من حضّرن الطعام في الخيام، واهتممن بالأطفال الذين ارتعبوا من هول الصدمة، وسهرن على كبار السن الذين فقدوا بيوتهم وذكرياتهم دفعة واحدة.

كانت المرأة القروية في الحوز تمارس دورها القديم نفسه، لكن في ظرف استثنائي « حماية الحياة اليومية من الانهيار الكامل ».

نساء يحمين ذاكرة المكان

لا تحمل نساء الحوز فقط عبء العمل، بل يحملن أيضا ذاكرة القرى، في الأغاني الأمازيغية التي تُردّد في الأعراس، وفي وصفات الخبز التقليدي، وفي الحكايات التي تُروى للأطفال في ليالي الشتاء الطويلة.

الزلزال حاول أن يمحو جزء من هذه الذاكرة، لكن النساء تمسكن بها بقوة، فإعادة بناء البيت ليست فقط بناء الجدران، بل إعادة ترتيب الروابط الإنسانية التي تجعل من القرية بيتاً كبيراً للجميع.

نساء لا يظهرن في العناوين

في المدن، تُقاس البطولات غالبا بالإنجازات الكبيرة والأضواء الإعلامية، أما في جبال الحوز، فالبطولة اليومية أكثر هدوء، هي امرأة تقطع كيلومترات لجلب الماء، وأخرى تعود إلى الحقول رغم الألم، وثالثة تُصر على أن يذهب أطفالها إلى المدرسة حتى لو تغيرت الحياة من حولهم.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي صنعت، في النهاية، صورة المرأة الجبلية الصلبة التي لا تنكسر بسهولة.

8 مارس… تحية للمرأة التي تبني الحياة

في اليوم العالمي للمرأة، قد تُرفع الشعارات وتُنظم الندوات، لكن في الحوز هناك نوع آخر من الاحتفال، يتمثل في الاعتراف الصادق بقوة النساء اللواتي يحملن القرى فوق أكتافهن منذ عقود.

نساء الحوز لم يطلبن يوماً التكريم، لكن ما قدّمنه بعد الزلزال جعل منهن رمزاً للصمود المغربي.

ففي تلك الجبال البعيدة، حيث تبدو الحياة أكثر قسوة، أثبتت المرأة القروية حقيقة بسيطة وعميقة وهي أن المجتمعات قد تتصدع تحت وقع الكوارث… لكنها لا تنهار ما دامت النساء واقفات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى