
تحرير: بثينة المكودي
تحولت الرباط في ظرف قياسي، إلى واجهة صحية صاعدة، لا فقط على المستوى الوطني، بل حتى على الصعيد الإفريقي، مدفوعة بحزمة من المشاريع الكبرى التي يرتقب تدشينها خلال هذه السنة، في سياق تعزيز المنظومة الصحية وتحديث بنياتها، دينامية واضحة تجلت في الانتشار المتسارع للمصحات الخاصة، وارتفاع عدد الأطباء المتخصصين، وتكاثر المختبرات ومراكز الأشعة، إلى درجة أن بعض أحياء العاصمة بدأت تكتسب ملامح “مدن طبية” قائمة بذاتها.

هذه الطفرة لم تتوقف عند حدود العلاج، بل امتدت لتشمل خدمات موازية كالترويض الطبي وطب البصريات، في إطار منظومة مهنية مؤطرة قانونياً، تمثلها هيئات ونقابات وجمعيات تدافع عن مصالحها وترافع من أجل تطويرها.
غير أن هذه الصورة الوردية تخفي خلفها مفارقة مقلقة أين موقع المريض داخل هذه المنظومة المتسارعة؟
مريض بلا صوت داخل منظومة قوية
إذا كانت كل مكونات القطاع الصحي ممثلة ومؤطرة، فإن الحلقة الأضعف، أي المرضى، يبدون خارج معادلة القرار. عشرات الآلاف من المواطنين الذين يلجون يومياً هذه المؤسسات، يجدون أنفسهم في مواجهة منظومة تسير وفق منطق مهني واقتصادي صارم، دون إشراكهم أو تمكينهم من آليات حقيقية للدفاع عن حقوقهم.
شكاوى متكررة تتعلق بغلاء الفواتير، وفرض تكاليف إضافية غير مبررة، وتأخر في الخدمات، بل وحتى اتهامات بإجراء تدخلات طبية غير ضرورية، كلها مؤشرات تضع علامات استفهام كبيرة حول مستوى الرقابة وحماية المستهلك في المجال الصحي. ويتسع هذا الإشكال ليشمل تخصصات مختلفة، من طب الأسنان إلى طب العيون، وصولاً إلى أسعار النظارات الطبية التي باتت في بعض الحالات تضاهي أسعار المعادن النفيسة.
بين الاستثمار والاتجار… خيط رفيع

لا يمكن إنكار أهمية الاستثمار في القطاع الصحي، ولا دوره في تحسين جودة الخدمات وتخفيف الضغط عن القطاع العمومي. لكن حين يتحول العلاج إلى مجال مفتوح للمضاربة، يصبح المريض مجرد “زبون” في سوق غير متكافئة، تحكمها الحاجة والاضطرار أكثر مما تضبطها القوانين والضوابط الأخلاقية.
هذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية حول دور مؤسسات الوساطة والحماية، من تعاضديات وصناديق تأمين، التي يفترض أن تؤدي دوراً محورياً في تخفيف العبء المالي وضمان شفافية المساطر. كما يضع علامات استفهام حول غياب جمعيات قوية وفاعلة تتبنى قضايا المرضى، وترافع باسمهم في مواجهة اختلالات القطاع.
الحق في العلاج… بين النص والتطبيق
الدستور المغربي واضح في تكريسه للحق في العلاج والحماية الصحية، كما أن الترسانة القانونية تتضمن مقتضيات تضمن كرامة المريض وحقوقه. غير أن الواقع يكشف عن فجوة بين النص والممارسة، حيث يظل المواطن في كثير من الحالات وحيداً أمام منظومة معقدة، لا يملك فيها لا القوة التفاوضية ولا المعرفة القانونية الكافية.
نحو صوت مدني يدافع عن المرضى
أمام هذا الوضع، يبرز الحاجة الملحة إلى خلق إطار مدني مستقل، جمعية أو هيئة تُعنى بالدفاع عن حقوق المرضى، وتواكبهم قانونياً وإدارياً، وتلعب دور الوسيط بين المواطن ومقدمي الخدمات الصحية. فكما توجد هيئات تدافع عن المهنيين، من حق المرضى أيضاً أن يكون لهم صوت منظم وقوي.
الرباط اليوم تتقدم بخطى ثابتة نحو أن تصبح قطبا صحيا قاريا، لكن نجاح هذا النموذج لن يقاس فقط بعدد المصحات أو جودة التجهيزات، بل بمدى احترام كرامة المريض وضمان حقوقه. لأن الصحة، في النهاية، ليست مجرد قطاع اقتصادي… بل حق إنساني قبل كل شيء.




