اقتصادالرئسية

تقرير: هدوء هرمز، النفط بين الوفرة والانهيار

بينما استقبلت الأوساط السياسية بوادر التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها خطوة نحو تهدئة واحدة من أخطر بؤر التوتر في العالم، بدت أسواق النفط أقل تفاؤلا.

فبدل الاحتفاء بإعادة فتح مضيق هرمز، يتزايد القلق من سيناريو معاكس قد يقلب موازين السوق، يتمثل في تدفق كميات ضخمة من الخام خلال فترة زمنية قصيرة، بما ينذر بفائض في المعروض وضغوط حادة على الأسعار.

وفي تقرير تحليلي، حذر موقع “شيناري إيكونومتشي” من أن أي انفراج كامل في الملاحة عبر مضيق هرمز قد يطلق موجة هائلة من الإمدادات النفطية، في وقت لا يزال فيه الطلب العالمي، ولا سيما الصيني، عاجزًا عن استيعاب هذه الكميات.

أكثر من 160 مليون برميل على أعتاب الأسواق

بحسب التقرير، فإن إعادة فتح المضيق ورفع القيود عن صادرات النفط الإيرانية قد يؤديان إلى تدفق أكثر من 160 مليون برميل من الخام خلال أيام قليلة، بعدما ظلت هذه الكميات عالقة بسبب التوترات الأمنية في الخليج.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 93 مليون برميل من النفط غير الإيراني ستكون أول الكميات التي تتجه إلى الأسواق فور استقرار الملاحة، إلى جانب حوالي 72 مليون برميل من النفط الإيراني المتوقع الإفراج عنها في حال تنفيذ التفاهمات بين واشنطن وطهران.

ويرى التقرير أن هذا التدفق السريع قد يخل بتوازن العرض والطلب عالميًا، ويضع الأسعار تحت ضغط غير مسبوق.

ناقلات تنتظر إشارة الانطلاق

وأوضح التقرير أن عشرات ناقلات النفط المحملة بالكامل تقف حاليًا بانتظار استئناف العبور الآمن عبر مضيق هرمز، حيث لم يعد يفصلها عن الإبحار سوى الحصول على تغطية تأمينية ضد مخاطر الحرب وضمان سلامة الملاحة.

وإذا لم تشهد المنطقة تطورات أمنية جديدة، فمن المتوقع أن تصل هذه الشحنات إلى الأسواق العالمية خلال فترة تتراوح بين 10 و15 يومًا فقط.

وتتصدر السعودية قائمة الدول التي تمتلك أكبر حجم من النفط المحتجز بنحو 42.5 مليون برميل، تليها الإمارات بـ18.4 مليون برميل، ثم العراق بنحو 15 مليون برميل.

الحذر يطغى على حركة الملاحة

ورغم المؤشرات الإيجابية، يؤكد التقرير أن عودة الملاحة إلى طبيعتها لا تزال رهينة تفاصيل لم تُحسم بعد، من بينها طبيعة الإجراءات التي قد تفرضها إيران على السفن العابرة، وما إذا كانت ستفرض رسوماً أو قيودًا على المرور.

ولهذا السبب، يواصل المنتجون الاعتماد على حلول بديلة، أبرزها نقل الشحنات بين السفن في خليج عُمان قبل مواصلة رحلتها إلى الأسواق العالمية.

وتكشف البيانات عن ارتفاع هذه العمليات إلى مليوني برميل يوميًا خلال يونيو، مقارنة بـ772 ألف برميل في مايو و303 آلاف برميل فقط في أبريل، في مؤشر على استمرار حالة الحذر داخل المنطقة.

المنتجون يسابقون الزمن

وأشار التقرير إلى أن المنتجين الخليجيين يسعون إلى تسويق نفطهم بأسرع وقت ممكن قبل أي هبوط محتمل للأسعار.

وفي هذا الإطار، كثفت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” عمليات البيع، عبر إطلاق ثالث مناقصة خلال شهر واحد، مع توفير خيارات تحميل مرنة من المحيط الهندي، بما يسمح بتجاوز أي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز.

ويرى التقرير أن هذه الخطوات تعكس رغبة واضحة لدى المنتجين في تحويل المخزونات إلى عائدات مالية قبل تغير ظروف السوق.

الطلب العالمي لا يواكب المعروض

في المقابل، لا تبدو الأسواق مستعدة لاستيعاب هذه الإمدادات الإضافية.

ورغم أن المصافي الآسيوية – باستثناء الصين – رفعت معدلات التشغيل إلى نحو 90%، مستفيدة من الطلب الصيفي على الوقود، فإن معظمها يرتبط بعقود توريد طويلة الأجل، ما يقلص حاجتها إلى شراء شحنات فورية جديدة.

كما أن إعادة تكوين المخزونات العالمية تتم بوتيرة تدريجية، وهو ما يحد من قدرة السوق على امتصاص الفائض المنتظر.

الصين… العامل الحاسم

ويعتبر التقرير أن الصين تمثل الحلقة الأهم في معادلة سوق النفط العالمية.

فالمصافي الصينية تعمل حاليًا بأقل من طاقتها المعتادة بنحو 2.6 مليون برميل يوميًا، فيما لا تزال مخزونات الوقود المحلية عند مستويات مرتفعة، الأمر الذي يقلل الحاجة إلى استيراد كميات إضافية من الخام.

ويؤكد التقرير أن السوق لن تجد متنفسًا حقيقيًا إلا إذا قررت بكين توسيع احتياطياتها الإستراتيجية أو تخفيف القيود على صادرات المنتجات النفطية المكررة.

وتعكس أرقام الواردات هذا التوجه، إذ لم تتجاوز مشتريات الصين من النفط السعودي خلال يوليو نحو 12 مليون برميل، وهو مستوى يقل كثيرًا عن المعدلات التاريخية.

بوادر هبوط بدأت بالفعل

ويشير التقرير إلى أن آثار هذا الخلل بين العرض والطلب بدأت تظهر على الأسعار، حيث تقلص الفارق السعري في سوق دبي من ستة دولارات للبرميل إلى 1.6 دولار فقط خلال أيام، فيما هبطت أسعار بعض الخامات، مثل خام “أبر زاكوم”، إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2021.

ويرى التقرير أن استمرار تدفق الإمدادات، بالتزامن مع احتمال السحب من الاحتياطي الإستراتيجي الأمريكي، قد يدفع السوق إلى مرحلة جديدة من الضغوط السعرية.

شبح “الكونتانغو” يعود

واختتم التقرير بالتحذير من احتمال دخول السوق في حالة “الكونتانغو”، وهي وضعية تصبح فيها أسعار النفط الجاهز للتسليم أقل من أسعار العقود الآجلة، نتيجة وفرة المعروض وضعف الطلب.

ويعد هذا السيناريو، وفق التقرير، مؤشرًا واضحًا على تخمة في السوق، حيث تصبح كميات النفط المتاحة أكبر من قدرة المشترين على استيعابها، ما يضطر البائعين إلى تقديم خصومات إضافية لتشجيع التخزين وشراء الشحنات الفورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى