الرئسيةسياسة

لقجع من الكرة إلى مليارات التنمية

210 مليارات تضع الجهوية المتقدمة أمام امتحان عسير

تحول فوزي لقجع من مجرد مسؤول عن تدبير أرقام الميزانية أو ملف رياضي إلى عنوان للنفوذ داخل الدولة، فتعيينه، بشكل انتقالي، للإشراف على “الصندوق المندمج للتنمية الترابية” يضع بين يديه واحدا من أثقل الملفات المالية المرتبطة بالتنمية، بغلاف يقارب 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.

ففي مرسوم وقعه رئيس الحكومة عزيز أخنوش ونُشر في الجريدة الرسمية يضع هذا الورش في قلب معادلة جديدة؛ عنوانها المعلن هو التنمية الترابية، لكن سؤالها السياسي الأعمق هو: من يقرر أين تذهب أموال التنمية، ومن يملك فعلياً مفاتيح ترتيب الأولويات؟

210 مليارات.. ومن يملك مفاتيح التنمية؟

المبلغ ليس تفصيلاً محاسبياً ، فنحن أمام متوسط سنوي يقارب 26.25 مليار درهم، يفترض أن يتحول إلى مشاريع وخدمات وفرص شغل وتحسين ملموس لظروف العيش، غير أن التجربة المغربية أثبتت أن ضخ الأموال لا يعني تلقائياً تقليص الفوارق، فالحسابات الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط أظهرت أن ثلاث جهات فقط ساهمت سنة 2023 بـ58.5% من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، في مؤشر صارخ على استمرار تمركز النشاط الاقتصادي والثروة.

وهنا تكمن المفارقة: الدولة تتحدث منذ سنوات عن “الجهوية المتقدمة”، بينما يظل السؤال مطروحاً حول مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على التأثير الفعلي في القرار التنموي والمالي، فإذا كانت الموارد تُعبّأ مركزياً، والأولويات تُرسم في دوائر القرار، والتنفيذ يمر عبر الإدارة الترابية، فما الذي يتبقى عملياً من اللامركزية سوى عنوان دستوري جميل؟

الولاة والعمال.. حين تتقدم الإدارة على المنتخبين

تتيح المقتضيات التنظيمية للصندوق الاستعانة بالولاة والعمال، إلى جانب مسؤولي المصالح المركزية واللاممركزة، لتنفيذ العمليات والبرامج المرتبطة به وفق قواعد المحاسبة العمومية .. إدارياً، يمكن تبرير ذلك بالحاجة إلى سرعة التنفيذ والتنسيق؛ لكن سياسياً، يفتح الأمر سؤالاً لا يمكن دفنه تحت لغة المراسيم: هل نحن أمام تعزيز للجهوية، أم إعادة إنتاج للمركزية بأدوات أكثر حداثة؟

فالمنتخبون يستمدون شرعيتهم من صناديق الاقتراع، بينما الولاة والعمال يمثلون سلطة الدولة، وعندما يتعلق الأمر بمليارات مخصصة للتنمية المحلية، تصبح الحدود بين الفاعل المنتخب والفاعل الإداري مسألة جوهرية، خصوصاً إذا كانت المجالس الترابية ستجد نفسها أمام برامج جاهزة أكثر مما هي شريكة في صياغة الأولويات.

المغرب يحتاج إلى نتائج.. لا إلى إعادة تدوير المشاريع

تأتي هذه الإمكانات المالية في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحديات اجتماعية ثقيلة، فقد بلغ معدل البطالة 13.1% في الفصل الثالث من 2025، فيما قفز إلى 38.4% لدى الشباب، واستقر عدد العاطلين عند نحو 1.62 مليون شخص.

لذلك لن يكون نجاح الصندوق في حجم الأموال التي سينفقها، ولا في عدد المشاريع التي ستُدشن، ولا في عدد التقارير التي ستُنجز، بل في سؤال أكثر قسوة: هل ستغير هذه المليارات فعلاً حياة المغاربة في المناطق التي ظلت تنتظر الدولة لعقود؟

لقجع أمام اختبار أكبر من الأرقام

تكليف لقجع يضعه أمام مسؤولية تتجاوز تدبير الاعتمادات؛ فالـ210 مليارات ليست مجرد ميزانية، بل اختبار لنموذج الحكامة نفسه، فإذا انتهى الأمر إلى مشاريع كثيرة، وتقارير كثيرة، ونتائج اجتماعية محدودة، فستكون الدولة قد أنفقت المال دون أن تضرب جذور الاختلال.

أما إذا تحولت هذه الموارد إلى تعليم أفضل، وصحة أقرب، وتشغيل حقيقي، وبنية تحتية تردم الفجوة بين المركز والهامش، فحينها فقط يمكن الحديث عن “تنمية ترابية تستحق اسمها”.

المغرب لا يحتاج إلى مركزية جديدة بوجه تكنوقراطي، ولا إلى تحويل الجهوية المتقدمة إلى واجهة إدارية، ما يحتاجه هو أن يصبح المواطن شريكاً في تحديد الأولويات ومستفيداً فعلياً من المال العام.، وإلا فإن الجهوية المتقدمة ستظل مجرد شعار، فيما تواصل مليارات التنمية رحلتها من المركز إلى الهامش.. دون أن تصل بالضرورة إلى المواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى