
بين تشديد الرقابة وإنهاء التهرب.. المغرب يفتح صفحة ضريبية جديدة تبدأ من “المنبع”
في خطوة تعكس تحولا عميقا في طريقة تدبير الضرائب، لم تعد الدولة المغربية تكتفي بمطالبة الملزمين بالتصريح وأداء ما عليهم من مستحقات، بل قررت أن تجعل الخزينة أول من يحصل على نصيبه من الأموال قبل أن تصل إلى أصحابها، فابتداء من فاتح يوليوز 2026، دخلت حيز التنفيذ حزمة من الإجراءات الجبائية الجديدة، تؤسس لمرحلة أكثر صرامة في تتبع المعاملات المالية، وتكشف عن توجه واضح نحو تضييق الخناق على التهرب الضريبي وتعزيز موارد الدولة في ظل تزايد كلفة تمويل الأوراش الاجتماعية والاستثمارية.
نهاية مرحلة “التصريح أولا”… وبداية الاستخلاص الفوري
يعتمد الإصلاح الجديد على توسيع نظام الاقتطاع من المنبع، وهي آلية تجعل الضريبة تستخلص مباشرة عند أداء المبلغ، بدل انتظار تصريح الملزم في وقت لاحق، ويأتي هذا التحول في سياق سعي الحكومة إلى تعزيز العدالة الجبائية وتوسيع الوعاء الضريبي، خاصة وأن المداخيل الجبائية تجاوزت، وفق وزارة الاقتصاد والمالية، 300 مليار درهم خلال سنة 2025، بينما لا يزال الاقتصاد غير المهيكل يستحوذ على نسبة مهمة من النشاط الاقتصادي، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط.
الكراء والخدمات تحت رقابة ضريبية مباشرة
أبرز التدابير الجديدة يتمثل في اعتماد الاقتطاع من المنبع بنسبة 5% على مداخيل الكراء، دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة، ويشمل الإجراء الأشخاص الذاتيين والأشخاص الاعتباريين، فيما أصبحت الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، إلى جانب الأبناك وشركات التأمين والمقاولات الكبرى، ملزمة باقتطاع الضريبة وتحويلها مباشرة إلى خزينة الدولة.
كما امتد النظام إلى الضريبة على القيمة المضافة المرتبطة بالخدمات، ليصبح إلزاميا بالنسبة للمؤسسات البنكية وشركات التأمين، إضافة إلى المقاولات التي يتجاوز رقم معاملاتها السنوي 200 مليون درهم، وفي حال عدم الإدلاء بشهادة جبائية سارية المفعول، قد يصل مبلغ الاقتطاع إلى 100% من قيمة الضريبة على القيمة المضافة المستحقة، في إجراء يروم الحد من حالات عدم الامتثال الضريبي.
العقار أيضا… نحو معاملات أكثر شفافية
هذا ولم يستثن الإصلاح سوق العقار، إذ أقرت زيادة بنسبة 2% في رسوم التسجيل في حالات محددة، خاصة عندما يفوق ثمن البيع 300 ألف درهم أو عند غياب وسائل أداء قابلة للتتبع، ويعكس هذا الإجراء توجها نحو تقليص التعاملات النقدية وتشجيع الأداء عبر القنوات البنكية، بما يعزز شفافية التداولات العقارية ويسهل تتبع حركة الأموال.
عقوبات مشددة وصلاحيات أوسع للإدارة الجبائية
ولضمان احترام هذه المقتضيات، فرضت النصوص الجديدة على الجهات الملزمة بالاقتطاع إيداع تصريحات مفصلة وتحويل الضرائب المستحقة داخل أجل لا يتجاوز شهرا من تاريخ الأداء، كما اعتمدت غرامات قد تصل إلى 20 في المائة من المبالغ المستحقة، مع منح الإدارة الجبائية صلاحيات أوسع لإجراء التصحيحات الضريبية وفرض الضريبة تلقائيا عند عدم التصريح أو رصد مخالفات جسيمة.
وبذلك، لا تمثل هذه التدابير مجرد تعديلات تقنية في النظام الجبائي، بل تؤشر على انتقال المغرب إلى نموذج ضريبي يعتمد على الرقابة الاستباقية والاستخلاص المباشر، في محاولة لتعزيز الشفافية، وتوسيع قاعدة المساهمين في تمويل المالية العمومية، وضمان موارد أكثر استدامة لمواكبة متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.





