
العالم يصنع الأثرياء بسرعة قياسية ويطحن الفقراء
مليون مليونير جديد في عام واحد… العالم يزداد ثراءً للأغنياء وفقراً للطبقة الوسطى
ليس الخبر أن العالم أصبح يضم مليون مليونير جديد، بل إن هذا الرقم القياسي تحقق في الفترة نفسها التي ارتفعت فيها معدلات الفقر والهشاشة وتآكلت فيها القدرة الشرائية لملايين الأسر، فالعالم الذي يراكم الثروات بسرعة غير مسبوقة هو نفسه العالم الذي تتسع داخله فجوة اللامساواة عاماً بعد آخر..
وبين هذين الوجهين المتناقضين، يكشف أحدث تقرير للثروة العالمية أن الاقتصاد الدولي لا يعاني من نقص في الأموال، بقدر ما يعاني من اختلال عميق في كيفية توزيعها، وهو اختلال يحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الأرقام.
ووفقًا لتقرير الثروة العالمية السنوي الصادر عن بنك “UBS” السويسري، ارتفع إجمالي الثروات الشخصية عالميًا بنسبة 10.8% خلال سنة 2025، وهو أعلى معدل نمو يُسجل منذ سنوات، مقارنة بـ4.6% خلال 2024 و4.2% في 2023، ما يؤكد أن دورة تراكم الثروة استعادت زخمها بقوة بعد سنوات من التقلبات الاقتصادية.
أسواق المال تصنع الأثرياء… والولايات المتحدة تتصدر المشهد
ويعزو التقرير هذه القفزة أساسًا إلى الأداء الاستثنائي لأسواق الأسهم والأصول المالية، التي واصلت تحقيق مكاسب كبيرة، خصوصًا في الولايات المتحدة، حيث ساهم الانتعاش القوي لقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستثمارات المالية في خلق ثروات جديدة بوتيرة متسارعة.
وبحسب التقرير، استحوذت الولايات المتحدة وحدها على ما يقارب نصف الزيادة العالمية في عدد أصحاب الملايين، بعدما انضم أكثر من 440 ألف أمريكي إلى قائمة المليونيرات خلال عام واحد فقط، واستند التقرير إلى تحليل أوضاع 56 سوقًا، تمثل أكثر من 92% من إجمالي الثروة العالمية، ما يمنحه دلالة واسعة على التحولات الجارية داخل الاقتصاد الدولي.
الوجه الآخر للنمو… اتساع غير مسبوق في فجوة اللامساواة
غير أن الأرقام اللامعة تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا، فبينما تتضاعف ثروات كبار المستثمرين، يشير التقرير إلى أن “متوسط الثروة الفردية”، وهو المؤشر الأكثر تعبيرًا عن أوضاع الطبقة الوسطى، عرف تراجعًا في معظم الدول، بما يعكس اتساع الفجوة بين الأقلية الثرية وبقية المجتمع.
وتتوافق هذه النتائج مع تقارير دولية أخرى، إذ تؤكد بيانات “البنك الدولي” أن نحو 700 مليون شخص ما زالوا يعيشون في فقر مدقع، بينما تشير تقديرات منظمة “أوكسفام” إلى أن فجوة اللامساواة تسارعت بشكل واضح منذ جائحة كورونا، حيث راكم أصحاب الثروات الكبرى مكاسب ضخمة بفضل ارتفاع قيمة الأصول، في حين لم تعرف دخول الطبقات العاملة الارتفاع نفسه، بل تآكلت بفعل موجات التضخم المتلاحقة.
تحديات اقتصادية وسياسية تتجاوز الأرقام
ولا يقتصر أثر هذا التفاوت على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي، فصندوق النقد الدولي سبق أن حذر من أن اتساع فجوة الثروة يحد من فرص النمو المستدام، ويؤثر سلبًا على الحراك الاجتماعي، ويزيد من الضغوط على الحكومات في مجالات التشغيل والحماية الاجتماعية والعدالة الضريبية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الاقتصاد العالمي يحقق أرقامًا قياسية في إنتاج الأثرياء، لكنه في المقابل يواجه تحديًا أكبر يتمثل في كيفية توزيع ثمار النمو بشكل أكثر إنصافًا، فنجاح الأسواق في خلق مليون مليونير جديد خلال عام واحد قد يمثل إنجازًا ماليًا، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا ملحًا حول قدرة الاقتصاد العالمي على تحقيق تنمية يستفيد منها الجميع، لا أقلية تزداد ثراءً عامًا بعد آخر.





