
من “سلة خضر إفريقيا” إلى مستورد للبصل
لم يعد استيراد الأبقار والأغنام واللحوم الحمراء والبطاطس والعدس حدثاً استثنائياً في المغرب، لكن أن يلحق “البصل“، ذلك المنتج الذي ظل لعقود رمزاً للاكتفاء الذاتي، بقائمة الواردات، فالأمر لم يعد مجرد أزمة موسمية، بل تحول إلى عنوان لفشل نموذج فلاحي كامل.. فالدولة التي كانت تُسوّق نفسها كقوة فلاحية إقليمية وتغزو أسواق غرب إفريقيا بخضرها، أصبحت اليوم تستورد أحد أكثر منتجاتها الزراعية بساطة لتأمين حاجيات السوق الداخلية.
هذا التحول لا يختزل في تقلبات المناخ أو سوء موسم فلاحي، بل يطرح أسئلة ثقيلة حول حصيلة أكثر من خمسة عشر عاماً من “مخطط المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر”، اللذين استهلكا عشرات المليارات من الدراهم، إضافة إلى مليارات أخرى صُرفت في إطار برامج الدعم الاستثنائية لمواجهة الجفاف وإنقاذ القطاع.. وبين الوعود بتحقيق السيادة الغذائية وتعزيز الإنتاج الوطني، والواقع الذي يشهد توسع قائمة المنتجات المستوردة عاماً بعد آخر، تتسع الهوة بين الخطاب الرسمي وما يلمسه المواطن في الأسواق.
أرقام غير مسبوقة… والبصل ينضم إلى قائمة الواردات
بحسب معطيات موقع “EastFruit” المتخصص، استورد المغرب بين يوليوز 2025 وأبريل 2026 نحو “21.600 طن من البصل الطازج” بقيمة بلغت “9.4 ملايين دولار”، وهو رقم يفوق واردات الموسم السابق بثماني مرات، ويتجاوز بحوالي مرتين ونصف الرقم القياسي المسجل خلال موسم 2015/2016.
وتكشف الأرقام حجم الاختلال الذي أصاب السوق، إذ لم تتجاوز الواردات “500 طن في يناير”، قبل أن تقفز بشكل صاروخي إلى أكثر من “14.500 طن خلال أبريل” وحده، في مؤشر على انهيار التوازن بين العرض والطلب.
هذا وجاءت أكثر من “60%” من هذه الواردات من هولندا، تليها إسبانيا بحوالي الثلث، ثم فرنسا بنسبة تقارب “5%”، إضافة إلى كميات محدودة من بلجيكا ومصر.
الجفاف شماعة جاهزة… لكن الأزمة أعمق
يربط التفسير الرسمي الأزمة بالظروف المناخية التي أثرت على الإنتاج في مناطق رئيسية مثل “تامحضيت وفاس ومكناس”، غير أن تحميل الجفاف وحده مسؤولية ما حدث يبدو تبسيطاً مريحاً لأزمة بنيوية تراكمت سنوات طويلة، فالجفاف ليس ظاهرة مغربية خالصة، بل تواجهه دول متوسطية عديدة، غير أن الفارق الحقيقي يكمن في قدرة السياسات العمومية على بناء قطاع فلاحي قادر على امتصاص الصدمات.. وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين ذهبت الاستثمارات الضخمة التي خُصصت لتحديث القطاع، وتطوير شبكات الري، وتعزيز قدرات التخزين والتبريد، وإنشاء منظومة فعالة للمخزون الاستراتيجي؟، حيث يؤكد مهنيون وخبراء على أن ضعف البنيات اللوجستية وغياب منظومة حديثة للتخزين وتبريد المنتجات الفلاحية رفعا خسائر ما بعد الحصاد إلى مستويات مقلقة، وهو ما حوّل أي تراجع في الإنتاج إلى أزمة تموين حقيقية، وجعل الأسواق الأوروبية الملاذ الوحيد لتغطية الخصاص.
من بلد مُصدّر إلى سوق مستوردة
المفارقة أن المغرب، الذي كان يصدر البصل بكميات مهمة نحو أسواق غرب إفريقيا، لم تتجاوز صادراته بين يناير وأبريل 2700 طن، أي أقل بحوالي 7.7 مرات من حجم الواردات خلال الفترة نفسها.
وفي المقابل، قفزت الأسعار داخل أسواق الجملة والتقسيط إلى مستويات غير مسبوقة بفعل تقلص العرض، لتتآكل القدرة الشرائية للأسر مرة أخرى، بينما تحول الاستيراد إلى حل إسعافي لتبريد السوق بدل معالجة جذور الأزمة.
ولم تعد أزمة البصل حالة معزولة، بل تأتي بعد سلسلة من المؤشرات المقلقة؛ فقد سبق للمغرب أن لجأ إلى استيراد الحليب ومشتقاته في فترات مختلفة، كما فتح الباب أمام استيراد الأبقار والأغنام واللحوم الحمراء، وارتفعت واردات عدد من المنتجات الفلاحية لتغطية الطلب الداخلي، في وقت تراجعت صادرات بعض المنتجات، وعلى رأسها الفراولة الطازجة.
واللافت أن المليارات التي خُصصت لدعم استيراد الماشية وتخفيف أسعار اللحوم لم تنجح في تحقيق الهدف المعلن، إذ بقيت الأسعار مرتفعة، بينما تحملت المالية العمومية كلفة الدعم، وهو ما أعاد إلى الواجهة أسئلة الحكامة ونجاعة توجيه المال العام.
أمن غذائي أم اقتصاد تصديري؟
تكشف أزمة البصل أن الإشكال لم يعد يتعلق بموسم فلاحي سيئ، بل بنموذج تنموي فلاحي يبدو أنه منح الأولوية لرفع الصادرات وجلب العملة الصعبة أكثر من بناء منظومة تحقق الأمن الغذائي للمغاربة.. ففي كل موسم جفاف، تتكرر المشاهد نفسها: ارتفاع الأسعار، تراجع الإنتاج، ثم اللجوء إلى الاستيراد لتدارك الخصاص.
وبين عشرات المليارات التي ضُخت في مخططي “المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر”، والنتائج التي يواجهها المواطن يومياً في السوق، يصبح من المشروع التساؤل: هل آن الأوان لإجراء تقييم مستقل وجريء لهذه الاستراتيجيات، وربط الإنفاق العمومي بالمحاسبة والنتائج؟ أم أن مسلسل استيراد أبسط مكونات المائدة المغربية سيغدو القاعدة الجديدة بدل أن يبقى مجرد استثناء؟





