
مراكز النداء بالمغرب.. آلاف الوظائف على المحك واقتصاد رهين الخارج
لم يكن المغرب بحاجة إلى أزمة اقتصادية أو ركود عالمي حتى تتكشف هشاشة أحد أكثر القطاعات التي رُوج لها باعتبارها نموذجا ناجحا في استقطاب الاستثمار وخلق فرص الشغل.. فقد كان قانون فرنسي واحد كافيا لإرباك مراكز النداء، ودفع بعض الشركات إلى تقليص مستخدميها حتى قبل دخوله حيز التنفيذ. إنها أزمة تعيد إلى الواجهة سؤالا ظل مؤجلا لسنوات: كيف يمكن لقطاع يشغل عشرات الآلاف من المغاربة أن يصبح رهينة قرار تشريعي يصدر خارج الحدود؟
ابتداء من شهر غشت، ستطبق فرنسا قانونا جديدا يلزم الشركات بالحصول على موافقة صريحة ومسبقة من المستهلك قبل إجراء أي اتصال هاتفي ذي طابع تسويقي، وبينما تبرر باريس هذا الإجراء بحماية الحياة الخاصة للمواطنين، تجد مراكز النداء المغربية نفسها أمام واقع جديد يهدد نشاطا يعتمد أساسا على التسويق الهاتفي لفائدة شركات فرنسية.
اقتصاد بُني على رمال متحركة..
طوال العقدين الماضيين، قدم قطاع ترحيل الخدمات باعتباره أحد أبرز رهانات المغرب لجذب الاستثمارات الأجنبية، ووفق المعطيات الرسمية، يوفر القطاع أكثر من “130 ألف منصب شغل مباشر” ويحقق رقم معاملات يقارب “20 مليار درهم سنويا”، كما أصبح من أهم مصادر تصدير الخدمات.. غير أن هذه الأرقام تخفي نقطة ضعف جوهرية، تتمثل في الارتهان المفرط للسوق الفرنسية، فبدل بناء قطاع متنوع الأسواق والخدمات، استمر جزء كبير من النشاط معتمدا على زبون واحد ونشاط واحد منخفض القيمة المضافة.
واليوم، يكفي تعديل قانوني في فرنسا حتى تهتز آلاف الوظائف في المغرب، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى السياسات التي جعلت استقرار قطاع حيوي مرتبطا بقرارات لا يملك المغرب أي تأثير عليها.
الأجير أول من يدفع الثمن
المخاوف لم تعد مجرد توقعات، فقد أفادت معطيات نقابية، بأن عددا من مراكز النداء شرع في تقليص موارده البشرية وتسريح مستخدمين من مستويات مختلفة من الخبرة، استعدادا لتراجع متوقع في حجم الأنشطة.
كما تحدثت المعطيات نفسها عن ملاحظات تتعلق بعدم احترام بعض المشغلين للمساطر القانونية المنظمة لإنهاء عقود الشغل، ما يزيد من هشاشة أوضاع العاملين في قطاع يشكل مصدر رزق لآلاف الأسر، خاصة في الدار البيضاء والرباط وطنجة وفاس ومراكش.
وتزداد خطورة هذه التطورات في ظل استمرار البطالة عند مستويات مرتفعة، إذ تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة بلغ 13.3%، فيما تتجاوز بطالة الشباب ثلث الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، وهو ما يجعل فقدان أي عدد إضافي من الوظائف تحديا اجتماعيا حقيقيا.
أزمة تكشف حدود النموذج الاقتصادي
ما يحدث اليوم يتجاوز تداعيات قانون فرنسي؛ فهو يكشف حدود نموذج اقتصادي قام على تسويق انخفاض كلفة اليد العاملة أكثر من الاستثمار في الابتكار والخدمات الرقمية عالية القيمة، وفي الوقت الذي تتجه فيه الأسواق العالمية نحو الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، ظل جزء مهم من قطاع مراكز النداء يعتمد على التسويق الهاتفي، وهو نشاط أصبح يواجه قيودا متزايدة في أوروبا.
لتضع الأزمة الحالية السياسات العمومية أمام اختبار حقيقي.. فالحفاظ على تنافسية المغرب لم يعد رهينا فقط باستقطاب المستثمرين، بل بقدرته على تنويع الأسواق، ورفع القيمة المضافة للخدمات، وتوفير مناصب شغل أقل عرضة للتقلبات الخارجية.
وبين شركات تعيد حساباتها، ونقابات تدق ناقوس الخطر، وآلاف الأجراء الذين يترقبون مصيرهم، تبدو أزمة مراكز النداء رسالة واضحة: الاقتصاد الذي يربط مستقبل قطاع بأكمله بقرارات تصدر خارج حدوده، يظل اقتصادا معرضا للاهتزاز مع أول تغيير في قواعد اللعبة.





