
التقاعد في المغرب.. لعنة تتوارثها الحكومات
هناك قاعدة غير مكتوبة تحكم ملف التقاعد في المغرب منذ أكثر من ربع قرن: “لا أحد يسأل من أوصل الصناديق إلى حافة الإفلاس، لكن الجميع يعرف من سيدفع الثمن.”
تعاقبت الحكومات، وتغيرت الأغلبية والمعارضة، وتبدلت أسماء الوزراء ورؤساء الحكومات، لكن السيناريو بقي واحدا لا يتغير؛ لجان تقنية، ودراسات اكتوارية، وحوارات اجتماعية، ووعود بإصلاح “شامل” لا يرى النور أبدا، وفي كل مرة تقترب ساعة الحسم، يختفي القرار، ويعاد فتح الملف من الصفر مع حكومة جديدة، فيما تستمر الاختلالات في الاتساع حتى تتحول إلى كرة ثلج تتضخم عاما بعد آخر.
المفارقة أن الحكومات لا ترث فقط أزمة التقاعد، بل ترث أيضا “ثقافة الهروب منها”.. فلا أحد يريد تحمل الكلفة السياسية للإصلاح، ولا أحد يملك الجرأة لفتح ملف المسؤوليات أو مساءلة من راكموا اختلالات الصناديق لعقود، رغم أن الأمر يتعلق بمليارات الدراهم وبحقوق ملايين المغاربة الذين اقتطع من أجورهم شهريا على أساس وعد بسيط: معاش كريم بعد نهاية الخدمة.
واليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه للمرة الخامسة أو السادسة، فالاجتماع المرتقب للجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد، المقرر عقده يوم 9 يوليوز، لا يحمل في طياته إصلاحا طال انتظاره، بل يؤكد أن الملف سيغادر مرة أخرى إلى الحكومة المقبلة، بعد أن استنفدت اللجنة مرحلة التشخيص، دون أن تجرؤ السلطة التنفيذية على الانتقال إلى مرحلة القرار.
منذ عشرين سنة… التشخيص لا يتغير والأزمة تكبر
لو جُمعت كل التقارير التي أنجزت حول إصلاح التقاعد منذ بداية الألفية، لربما تجاوز وزنها وزن الإصلاح نفسه، فالمجلس الأعلى للحسابات، واللجان الوطنية، والدراسات الاكتوارية، والهيئات الاستشارية، جميعها قدمت خلاصات متقاربة: المنظومة تعاني اختلالات هيكلية، وعدد المتقاعدين يرتفع بوتيرة أسرع من عدد المساهمين، ومتوسط العمر يتزايد، والاحتياطات تتآكل.. لكن ما لم يتغير هو الإرادة السياسية…
الإصلاح… أم نقل الخسائر إلى الحلقة الأضعف؟
و تقدم تجربة إصلاح سنة 2016 نموذجا واضحا للطريقة التي أدير بها الملف، فبدل أن يبدأ الإصلاح بتحديد المسؤوليات عن سوء التدبير أو مراجعة الحكامة أو البحث عن مصادر تمويل جديدة، بدأ مباشرة من الموظف، رفع سن التقاعد تدريجيا من 60 إلى 63 سنة، وارتفعت نسبة الاقتطاعات في النظام المدني للصندوق المغربي للتقاعد من 20% إلى 28% موزعة بين الموظف والدولة، فضلا عن تغيير طريقة احتساب المعاش على أساس متوسط الأجور بدل آخر أجر، وهو ما انعكس على قيمة المعاشات المستقبلية، أما المسؤول عن وصول الصندوق إلى هذه الوضعية، فلم يمثل أمام أي مساءلة سياسية أو إدارية.. فيما يعتبر عدد من الخبراء أن أي إصلاح لا يبدأ بتشخيص أسباب الفشل وتحديد المسؤوليات سيظل مجرد معالجة ظرفية، لأن نقل العبء المالي إلى المنخرطين وحدهم لن يحل الاختلالات البنيوية، بل سيؤجلها إلى سنوات لاحقة بكلفة أكبر.
الحكومة الحالية… اختارت السلامة الانتخابية
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن الحكومة الحالية فضلت إبقاء الملف داخل اللجنة التقنية، مع التركيز على استكمال الالتزامات الاجتماعية، وفي مقدمتها الزيادات في الأجور، مقابل تأجيل النقاش حول أكثر الإجراءات حساسية، مثل رفع سن التقاعد أو مراجعة نسب الاقتطاعات أو تغيير احتساب المعاشات.. ويأتي هذا التوجه منسجما مع ما أعلنته وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي أمام مجلس المستشارين، حين أكدت أن استكمال ورش إصلاح التقاعد سيكون من اختصاص الحكومة المقبلة بعد انتهاء اللجنة التقنية من مرحلة التشخيص
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب المواطن
السؤال الحقيقي لم يعد: “كيف سنصلح التقاعد؟” بل أصبح: “إلى متى سيظل الإصلاح يعني أن يدفع المواطن وحده ثمن أخطاء لم يرتكبها؟” فكل سنة تؤجل فيها الحكومات القرار، ترتفع فاتورة الإنقاذ بمليارات الدراهم، ويصبح الإصلاح أكثر قسوة على الموظف والأجير والمتقاعد، وبينما تتوارث الحكومات الملف كما لو كان لعنة سياسية يجب التخلص منها، يتوارث المغاربة بدورهم الخوف من يوم قد يصبح فيه التقاعد حقا نظريا أكثر منه ضمانة اجتماعية حقيقية.





