
نسخة استثنائية صنعتها “المرات الأولى”
مع اقتراب إسدال الستار على كأس العالم 2026، لا تبدو البطولة مجرد نسخة جديدة من المونديال، بل محطة مفصلية في تاريخ اللعبة، بعدما حملت معها تحولات رياضية وسياسية وثقافية تجاوزت حدود المنافسة على اللقب.
ووفق قراءة تحليلية نشرها موقع “حبر”، فإن هذه النسخة رسخت نفسها بوصفها “بطولة المرات الأولى”، بعدما منحت عدداً من المنتخبات فرصة كتابة تاريخ جديد، بفضل النظام الموسع الذي أتاح لدول عدة الظهور لأول مرة على أكبر مسرح كروي في العالم.
الأردن… بداية قصة جديدة
من بين أبرز محطات البطولة، برزت التجربة الأردنية التي شهدت أول مشاركة في نهائيات كأس العالم، وأول هدف في تاريخ المنتخب بالمونديال، إلى جانب الظهور الأول لحكم ساحة أردني في البطولة.
ويرى التقرير أن هذه المشاركة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إنجازاً عابراً، بل فرصة لتأسيس مشروع كروي طويل الأمد، إذا ما جرى استثمار الدروس الفنية والإدارية التي أفرزتها التجربة.
إفريقيا… انطلاقة قوية ونهاية مؤلمة
وشكلت المنتخبات الإفريقية أحد أبرز عناوين الدور الأول، بعدما حققت نتائج لافتة ونجحت في فرض نفسها أمام مدارس كروية عريقة، مؤكدة أن الفجوة الفنية مع كبار العالم أصبحت أضيق مما كانت عليه في السابق.
غير أن الأدوار الإقصائية كشفت وجهاً آخر للمنافسة، بعدما غادرت المنتخبات الإفريقية البطولة تباعاً، ما أعاد النقاش حول التحديات التي ما تزال تفصلها عن المنافسة على اللقب، وفي مقدمتها الخبرة في إدارة المباريات الحاسمة والاستمرارية في الأداء.
المغرب ومصر… إشارات عربية واعدة
ويرى التقرير أن المنتخبين المغربي والمصري قدما مؤشرات إيجابية على استمرار تطور كرة القدم العربية، غير أن المنتخب المغربي يظل النموذج الأكثر اكتمالاً، بعدما واصل ترسيخ مكانته بين كبار المنتخبات العالمية.
ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية مع اقتراب استضافة المغرب كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو ما قد يمنح “أسود الأطلس” فرصة تاريخية لمواصلة البناء على الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة.
حين تلتقي السياسة بكرة القدم
ولم يقتصر الجدل على المستطيل الأخضر، إذ سلط تقرير “حبر” الضوء على الحضور المتزايد للسياسة داخل البطولة، من خلال العلاقة الوثيقة بين رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويعتبر التقرير أن هذه العلاقة أعادت إلى الواجهة مفهوم “الغسيل الرياضي”، الذي يقوم على توظيف الأحداث الرياضية الكبرى لتحسين الصورة السياسية، مؤكداً أن هذه الظاهرة ليست جديدة في تاريخ الفيفا، بل تمتد إلى محطات تاريخية ارتبطت بأنظمة سياسية استخدمت كرة القدم أداة للدعاية والنفوذ.
فرنسا… نجاح رياضي لا يضمن الشعبية
ومن بين الظواهر التي توقف عندها التقرير أيضاً، استمرار العلاقة المعقدة بين المنتخب الفرنسي وجزء من جماهيره، رغم بلوغه نصف نهائي كأس العالم للمرة الثالثة توالياً.
ويشير إلى أن امتلاك منتخب مليء بالنجوم لم يكن كافياً لصناعة حالة إجماع جماهيري، في ظل عوامل تاريخية واجتماعية وهوياتية ما تزال تلقي بظلالها على صورة المنتخب داخل فرنسا وخارجها.
مونديال يترك أسئلة أكثر من الإجابات
ويخلص التقرير إلى أن كأس العالم 2026 لن يُختزل في هوية المنتخب المتوج باللقب، بل سيبقى علامة فارقة في تاريخ اللعبة، لأنه أعاد رسم ملامح التوازنات الكروية، وأبرز صعود قوى جديدة، وفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل المنتخبات الناشئة، وحدود التداخل بين الرياضة والسياسة.
وبذلك، تبدو نسخة 2026 أكثر من مجرد بطولة عالمية، إذ تمثل بداية مرحلة جديدة في كرة القدم، تتجاوز حسابات الفوز والخسارة إلى أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل اللعبة، وهوية القوى الصاعدة، والدور المتزايد الذي باتت تلعبه كرة القدم في المشهدين السياسي والثقافي.





