
في مجتمعات كثيرة، لا يكون الاعتداء الجنسي هو الجريمة الوحيدة، بل يتحول الصمت الذي يحيط به إلى جريمة أخرى لا تقل قسوة.
فحين تختار امرأة أن تروي ما عاشته، فإنها لا تستعيد مجرد ذكرى مؤلمة، بل تفتح نافذة على واقع يختبئ خلف الخوف والوصمة والإنكار.
مثل هذه الشهادات لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها قصصا شخصية فقط، بل بوصفها دعوة صريحة لمواجهة جانب مظلم من المجتمع، وحماية المراهقات والفتيات، وترسيخ ثقافة الإنصات للضحايا بدل التشكيك فيهن.
دعوني أتكلم…
خرجت الكوميدية وصانعة المحتوى المغربية لبنى الجوهري عن صمت دام سنوات، لتشارك متابعيها للمرة الأولى واحدة من أكثر المحطات إيلاما في حياتها، معلنة أنها تعرضت لاعتداء جنسي خلال فترة مراهقتها، في اعتراف وصفه كثيرون بالشجاع، لما يحمله من مواجهة مباشرة مع ماضٍ لا تزال آثاره النفسية حاضرة حتى اليوم.
وعبر سلسلة من مقاطع الفيديو التي بثتها على حسابها الرسمي في “إنستغرام”، فتحت الجوهري صفحات ظلت مغلقة لسنوات، مستعرضة تفاصيل من طفولتها ومراهقتها، ومؤكدة أن بعض الندوب لا يزيلها مرور الزمن، وأن رحلة التعافي من الصدمات ليست قصيرة ولا سهلة، بل تحتاج إلى مواجهة الذات والاعتراف بالألم قبل تجاوزه.
كسر الصمت هو الخطوة الأولى في مواجهة هذا النوع من الجرائم
وقالت إن قرار الحديث لم يكن وليد لحظة عابرة، بل جاء بعد تفكير طويل وصراع داخلي، معتبرة أن كسر الصمت هو الخطوة الأولى في مواجهة هذا النوع من الجرائم التي غالباً ما تُدفن قصصها خوفاً من الأحكام الاجتماعية. وأكدت أن الاعتراف بالمعاناة ليس علامة ضعف، بل فعل شجاعة واستعادة للكرامة والقوة.
وروت الجوهري أنها تعرضت للاعتداء داخل غابة عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها، أثناء عودتها من الدراسة، لكنها أوضحت أن تلك الحادثة لم تكن سوى واحدة من محطات مؤلمة عاشتها خلال طفولتها، وهي تجارب تركت بصمات عميقة في شخصيتها، رغم الصورة المرحة التي عرفها بها الجمهور عبر أعمالها ومحتواها الكوميدي.
وفي المقابل، حرصت على تسليط الضوء على الأشخاص الذين شكلوا سندا حقيقيا في حياتها، وفي مقدمتهم والدتها بالتبني، التي قالت إنها منحتها الحب والاحتواء في أصعب مراحل حياتها، إلى جانب أفراد من عائلتها وأصدقائها الذين ساعدوها على استعادة الثقة بنفسها ومواصلة طريقها.
الجوهري: مشاركتي لهذه القصة لا تستهدف إثارة الجدل أو استدرار التعاطف
وشددت على أن مشاركتها لهذه القصة لا تستهدف إثارة الجدل أو استدرار التعاطف، وإنما توجيه رسالة إلى كل من يحمل جرحاً مشابهاً، مفادها أن طلب الدعم النفسي والاجتماعي ليس مدعاة للخجل، وأن الصمت لا يعني الشفاء، بل قد يطيل أمد المعاناة.
وقد لقيت شهادتها تفاعلا واسعا، حيث سارع عدد من الفنانين والكوميديين وصناع المحتوى المغاربة إلى التعبير عن تضامنهم معها، مشيدين بشجاعتها، ومعتبرين أن ما قامت به يمنح الأمل لكثير من الأشخاص الذين ما زالوا يواجهون آثار صدمات مشابهة في صمت.
وعقب موجة الرسائل الداعمة، نشرت الجوهري رسالة جديدة شكرت فيها كل من وقف إلى جانبها، معلنة أنها ستأخذ استراحة مؤقتة من منصات التواصل الاجتماعي لاستعادة توازنها النفسي بعد هذا البوح العميق.
الجوهري: لن أحذف أو أخفي مقاطع الفيديو التي نشرتها
وأكدت في ختام رسالتها أنها لن تحذف أو تخفي مقاطع الفيديو التي نشرتها، لأنها تؤمن بأن شهادتها قد تمنح شخصاً آخر الشجاعة لكسر صمته، ولأنها تريد أن تبقى تلك المقاطع شاهدا على رسالة تؤمن بها: أن المحن جزء من حياة كثيرين، وأن تجاوزها يصبح أكثر احتمالاً عندما يجد الإنسان من يصغي إليه ويؤمن بمعاناته.






