
أعاد تقرير أكاديمي إسباني فتح النقاش حول ظروف موجة العبور الجماعي نحو سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضي، واضعا فرضية تعمد السلطات المغربية السماح بالتدفقات أمام اختبار الأدلة، بعيدا عن الاستنتاجات المبنية على المقارنة وحدها.
وخلص مرصد التحولات الاستراتيجية، وهو مشروع بحثي تابع لجامعة غرناطة، إلى عدم توفر أدلة كافية تثبت أن المغرب اتخذ قراراً واعياً بعدم التدخل خلال أحداث نهاية يوليوز، رغم أن الطريقة التي أحبط بها محاولة العبور في 15 غشت أظهرت امتلاك السلطات قدرة واضحة على الرصد والانتشار والاحتواء.
ويرى التقرير أن الفارق بين الموعدين يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة الاستجابة الأمنية المغربية، لكنه لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات وجود قرار سياسي بالسماح بالعبور.
يوليوز وغشت.. استجابة أمنية مختلفة
تكمن إحدى أبرز ملاحظات الدراسة في الاختلاف اللافت بين طريقة تعامل السلطات المغربية مع تحركات نهاية يوليوز ومحاولة 15 غشت.
فخلال أزمة يوليوز، ظهرت مؤشرات مبكرة على وجود تحركات تستدعي تعزيز المراقبة، غير أن الجزء الأكبر من القوات الإضافية لم يصل إلى محيط الحدود إلا بعد بدء تصاعد التدفقات البشرية.
أما في 15 غشت، فكان الانتشار أكثر استباقية، إذ جرى تعزيز الحضور الأمني في وقت مبكر، ما سمح باعتراض التحركات قبل تحولها إلى محاولة اختراق واسعة للحدود.
لكن التقرير يحذر من تحويل هذا التباين إلى دليل مباشر على وجود «سماح متعمد»، مؤكداً أن إثبات مثل هذا الاستنتاج يتطلب معرفة ما إذا كانت السلطات تتوفر مسبقاً على معلومات دقيقة، وما إذا كانت تمتلك الموارد الكافية، وما إذا كانت قد اتخذت بالفعل قراراً واعياً بعدم استخدامها أو بتقليص استخدامها.
من الشكوك إلى الأدلة.. ما الذي يثبت التورط؟
يذهب المرصد إلى أن فرضية توجيه الدولة المغربية لعملية العبور تحتاج إلى أدلة أكثر حساسية ومباشرة من مجرد ضعف الاستجابة الأمنية.
ومن بين المؤشرات التي يرى التقرير ضرورة البحث عنها: وجود تمويل، أو تعليمات، أو روابط تنظيمية، أو قنوات اتصال، أو سلسلة قيادة تربط مؤسسات رسمية بشبكات الحشد والتنظيم التي شاركت في التحركات.
وبالتالي، فإن غياب التدخل الأمني الكافي، إذا ثبت، قد يثير الشبهات ويفتح باب التساؤلات، لكنه لا يشكل وحده دليلاً على وجود قرار سياسي بالسماح.
تجربة 2021.. سابقة لا تكفي لإدانة 2026
ولا يتجاهل التقرير الخلفية السياسية لأزمة الحدود بين المغرب وإسبانيا، خصوصاً أحداث سنة 2021 التي أظهرت إمكانية توظيف ملف الهجرة والحدود في سياقات سياسية ودبلوماسية.
غير أن الدراسة تشدد على أن سابقة 2021 لا يمكن استخدامها بديلاً عن الأدلة الخاصة بأزمة 2026. فهي تساعد على تحديد السيناريوهات المحتملة والمؤشرات التي ينبغي مراقبتها، لكنها لا تكفي لإسناد المسؤولية عن أحداث يوليوز الأخيرة.
وبعبارة أخرى، فإن وجود سابقة سياسية لا يعني بالضرورة تكرار السيناريو نفسه، ما لم تدعمه معطيات مستقلة مرتبطة مباشرة بالأحداث الجديدة.
السؤال الأصعب: لماذا نجح الاحتواء في غشت ولم ينجح في يوليوز؟
إذا كان التقرير يستبعد اعتبار أحداث 15 غشت دليلاً تلقائياً على «السماح» في يوليوز، فإنه في المقابل يرى أن المقارنة بين التجربتين تستحق تحقيقاً معمقاً.
فالسؤال المركزي، بحسب الدراسة، لا ينبغي أن يكون فقط: هل سمحت السلطات المغربية بالعبور؟ بل أيضاً: لماذا بدت قدرة الاحتواء مختلفة بشكل واضح بين نهاية يوليوز ومنتصف غشت؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف ما إذا كان الاختلاف ناجماً عن تطور في المعلومات الاستخباراتية، أو تغيير في مستوى الجاهزية، أو تعزيز الموارد، أو اختلاف طبيعة الحشد، أو تغير في القرار العملياتي والأمني.
15 غشت.. عندما تتحول الدعوة الرقمية إلى تحرك ميداني
أظهرت محاولة 15 غشت، وفق التقرير، أن شبكات التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل الدعوات الرقمية إلى تحرك فعلي على الأرض، بعدما استجاب مئات الأشخاص لمنشورات دعت إلى التوجه نحو الحدود والعبور الجماعي.
لكن الدراسة تؤكد في الوقت نفسه أن الانتشار الرقمي لا يعني بالضرورة القدرة على اختراق الحدود.
فالنتيجة النهائية لأي محاولة ترتبط بعوامل متعددة، من بينها قدرة المشاركين على الوصول إلى منطقة الحدود، وإمكانية تجمعهم، وسرعة تدخل القوات الأمنية، ومدى قدرتهم على الاستمرار في التحرك بعد بدء عمليات الاعتراض.
وهذا يعني أن حجم الدعوات الرقمية لا يمكن اعتماده منفرداً مؤشراً على احتمال حدوث اختراق.
من الهاشتاغات المفتوحة إلى المجموعات المغلقة
يحذر المرصد من أن فشل محاولة 15 غشت قد يدفع منظمي التحركات المقبلة إلى تغيير أساليبهم.
فبدلاً من الدعوات العلنية والوسوم واسعة الانتشار، قد تتجه عمليات الحشد إلى مجموعات رقمية مغلقة، مع اعتماد تحركات صغيرة ومجزأة، وتقليص الفترات الزمنية بين الدعوة والتنفيذ، بما يقلل فرص اكتشافها مسبقاً.
ومن ثم، فإن تراجع النشاط العلني على مواقع التواصل لا يعني بالضرورة تراجع مستوى الخطر. فقد يكون التنسيق قد انتقل ببساطة إلى فضاءات رقمية أكثر انغلاقاً وأقل وضوحاً أمام المراقبة.
نحو «ضغط متكرر» بدل الاختراق الكبير
لا يرجح التقرير، في المرحلة المقبلة، سيناريو اختراق فوري وواسع للحدود بقدر ما يتوقع استمرار محاولات الضغط المتكرر، مع تكيف شبكات الحشد مع الإجراءات الأمنية الجديدة.
وقد تتحول المواجهة إلى نوع من «الكر والفر» بين قدرة الجهات المنظمة على الحشد والتنقل والتجمع، وقدرة السلطات على الرصد المبكر والانتشار والاحتواء.
ولهذا يدعو التقرير إلى تجاوز فكرة انتظار «موعد جديد للعبور»، واعتماد مقاربة أوسع تجمع بين المؤشرات الرقمية المحدودة، والتحركات الميدانية، والسياق الأمني، بهدف تحديد اللحظة التي تتقاطع فيها عناصر الحشد والتنقل والتجمع مع وجود فرصة فعلية لتجاوز الحدود.
الخلاصة: الغموض ما زال قائما
يضع التقرير الإسباني فرضية «السماح المغربي» أمام معيار أكثر صرامة: الشكوك والاختلاف في الأداء الأمني لا تكفي، وحدها، لإثبات قرار متعمد بفتح المجال أمام العبور.
لكن الدراسة، في المقابل، لا تغلق باب التساؤلات، بل تنقله إلى مستوى آخر أكثر دقة: ما الذي تغير بين نهاية يوليوز و15 غشت؟ وهل كان الاختلاف في الاستجابة نتيجة تغير في المعلومات والموارد والجاهزية، أم نتيجة قرار سياسي أو عملياتي مختلف؟
وبينما تبقى الإجابة عن هذه الأسئلة مفتوحة، يبدو أن المعركة المقبلة لن تدور فقط عند السياج الحدودي لسبتة، وإنما أيضاً في الفضاء الرقمي، حيث يمكن لدعوة محدودة ومغلقة أن تتحول، في وقت قصير، إلى تحرك ميداني يصعب التنبؤ بحجمه ومساره.





