
المحتوى الهابط ومطاردة «الترند»..
لم يكن الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش، الاثنين 17 غشت 2026، بإدانة المؤثرة المعروفة باسم «سكينة كلامور» بعشرة أشهر حبسا نافذا وغرامة قدرها 500 درهم، مع منعها من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات، مجرد إسدال للستار على ملف قضائي مرتبط بنشر «محتويات مخلة بالحياء العام»، بل هي لحظة كاشفة تضع المجتمع والدولة أمام سؤال يتجاوز منطوق الحكم: كيف تحولت الشهرة الرقمية من مساحة للتعبير إلى اقتصاد قائم على الإثارة، وكيف أصبح الانتباه رأسمالا يمكن تحويله إلى شهرة وإعلانات ومداخيل، ثم إلى نفوذ اجتماعي؟
من قاعة المحكمة إلى قفص الاتهام البنيوي
تعود وقائع القضية إلى 12 غشت الجاري، حين أوقفت عناصر الأمن الوطني المعنية بالأمر بمطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء، بتنسيق مع مصالح الأمن بمراكش، إثر بحث قضائي فتحته النيابة العامة بعد رصد أشرطة فيديو قالت مصالح اليقظة المعلوماتية إنها مخلة بالحياء العام، وأسفرت الأبحاث والتحريات عن تحديد هويتها وتوقيفها أثناء محاولتها مغادرة التراب الوطني.
لكن التوقف عند عملية التوقيف وتفاصيل الملف القضائي يحجب ظاهرة أوسع.. فانتقال المحتوى من شاشة الهاتف إلى قاعة المحكمة يؤكد أن الفضاء الرقمي لم يعد منفصلا عن المجتمع والقانون، بل أصبح مجالا تتقاطع فيه حرية التعبير مع المسؤولية، والاقتصاد مع الأخلاق، والتكنولوجيا مع سلطة الدولة.
اقتصاد الانتباه.. حين تصبح الإثارة رأسمالا
بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب نحو 35.5 مليون شخص بحلول نهاية 2025، بنسبة نفاذ بلغت 92.2%، بينما وصل عدد هويات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي إلى 22.8 مليوناً، وهذه السوق الرقمية الواسعة تجعل الانتباه موردا اقتصاديا بحد ذاته.
وفي اقتصاد يقوم على المشاهدة والتفاعل والانتشار، تمنح خوارزميات المنصات، بحكم اعتمادها على مؤشرات التفاعل والاحتفاظ بالمستخدم، أفضلية للمحتوى القادر على استثارة الانتباه، حتى عندما يكون سطحيا أو صادما، وهنا تتحول الإثارة إلى وسيلة للحصول على المشاهدات، ومنها إلى الإعلانات والرعاية ومصادر دخل أخرى.
وتتقاطع هذه البيئة الرقمية مع واقع اجتماعي أكثر تعقيدا، فقد بلغ معدل البطالة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة 37.2% خلال 2025، فيما بلغ عدد العاطلين 1.621 مليون شخص، وارتفع عدد الأشخاص في وضعية شغل ناقص إلى 1.19 مليون، هذه الأرقام لا تعني أن البطالة تنتج تلقائيا المحتوى الهابط، لكنها تكشف حجم الإغراء الذي يمكن أن يمثله اقتصاد الشهرة السريعة أمام فئات تبحث عن مسارات بديلة لتحقيق الدخل والترقي الاجتماعي.
من يراقب السوق خلف الشاشة؟
معاقبة الفاعل الرقمي عند ثبوت المخالفة لا تلغي السؤال حول البيئة الاقتصادية المحيطة بصناعة المحتوى، فالدخل الرقمي لم يعد مقتصرا على الإعلانات المباشرة، بل يشمل الرعاية التجارية والتسويق بالعمولة والهدايا الرقمية وغيرها، ما يطرح تحديات أمام التصريح بالمداخيل والامتثال الضريبي.
لذلك، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى اتهام جماعي لصناع المحتوى، بل إلى مطالبة بقواعد أكثر وضوحا: من يتحمل مسؤولية الإعلان؟ كيف يتم التصريح بالمداخيل؟ وما حدود مسؤولية المنصات عندما تتحول بعض المواد إلى ظواهر جماهيرية؟
ما بعد «كلامور».. من العقوبة إلى السياسة العمومية
قد يشكل منع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي جزءا من الرد القضائي، لكنه لا يعالج وحده البيئة التي تنتج المحتوى المثير وتمنحه قابلية الانتشار، فالمعالجة المستدامة تحتاج إلى تربية رقمية، وحماية فعلية للقاصرين، وشفافية في الإعلانات والرعاية، ومسؤولية أكبر على المنصات تجاه المحتوى الذي تضخمه خوارزمياتها.
قضية «كلامور» ليست سوى حالة كاشفة داخل منظومة أكبر. فالمشكلة لا تكمن فقط في مؤثر تجاوز حدود القانون، بل في اقتصاد انتباه يمكن أن يجعل الإثارة أكثر جاذبية من المعرفة، والضجيج أسرع انتشارا من الإبداع.
“وحين يصبح الابتذال، في منطق اقتصاد الانتباه، أقصر الطرق إلى الشهرة والربح، فإن القضية تخرج من حدود المحكمة لتصبح مساءلة صريحة للمجتمع والسوق والدولة على حد سواء.”





