الرئسيةحول العالم

غزة تدخل قلب الانتخابات الأمريكية وتفرض معادلتها

تتحول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يوما بعد آخر، إلى اختبار انتخابي وسياسي داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، مع صعود أصوات ترفض استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، في مواجهة شبكات ضغط سياسية ومالية تسعى إلى الحفاظ على نفوذها داخل الحزب.

في كاليفورنيا تبدو وهاب أمام واحدة من أكثر المواجهات وضوحا

في قلب هذه المواجهة تبرز عائشة وهاب في كاليفورنيا وكاريشما منظور في نيوهامبشاير، إلى جانب مرشحين تقدميين آخرين، بعدما أصبحت مواقفهم من الحرب على غزة والمساعدات العسكرية لإسرائيل ونفوذ جماعات الضغط جزءاً مركزياً من حملاتهم الانتخابية.

ولا تبدو هذه المعارك مجرد خلاف حول السياسة الخارجية؛ فهي تكشف صراعا أوسع داخل الحزب بشأن حدود نفوذ المال السياسي، ومن يملك القدرة على تشكيل أجندة المرشحين والناخبين.

في كاليفورنيا، تبدو وهاب أمام واحدة من أكثر المواجهات وضوحا، فقد أنفق الذراع السياسي الفائق للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، المعروف باسم «يونايتد ديموكراسي بروجكت» (UDP)، نحو 2.5 مليون دولار لدعم منافستها ميليسا هيرنانديز ومهاجمة وهاب، رغم تقدم الأخيرة بفارق كبير في الانتخابات التمهيدية.

وهاب قدمت على هيرنانديز بـ26 نقطة مئوية في الانتخابات التمهيدية الخاصة

وتخوض وهاب، العضو في مجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا، سباقا على مقعد الدائرة الرابعة عشرة الذي كان يشغله النائب السابق إريك سوالويل.

وكانت قد تقدمت على هيرنانديز بـ26 نقطة مئوية في الانتخابات التمهيدية الخاصة، وبـ21 نقطة في الانتخابات التمهيدية الخاصة بالولاية الكاملة. ومع ذلك، لم يكن الفارق الانتخابي كافياً لوقف تدفق الإنفاق السياسي ضدها.

ويعكس موقف وهاب من غزة جوهر الصراع. فهي تعارض تقديم مساعدات أمريكية لإسرائيل، ووصفت الحرب بأنها «إبادة جماعية»، كما قدمت العام الماضي قراراً في المجلس التشريعي لولاية كاليفورنيا يدعو إلى إنهاء الحرب بين إسرائيل وحماس.

كبر حجم الموارد التي تُحشد في سباق انتخابي ضد مرشح تقدمي

وبالنسبة لوهاب، لا يتعلق الأمر فقط بالسياسة الخارجية، بل بما تعتبره محاولة من قوى سياسية نافذة لتحديد حدود المسموح به للمرشحين داخل المؤسسة الديمقراطية.

وهي تقول إن مواقفها المتعلقة بحقوق الإنسان وما تراه في مصلحة الأمريكيين جعلتها هدفا لحملة سياسية منظمة.

ويضاف إلى إنفاق UDP نحو 1.8 مليون دولار أنفقتها مجموعة «بولد أمريكا»، التي تلقت أموالا من الذراع السياسي لأيباك، ما يوضح حجم الموارد التي يمكن أن تُحشد في سباق انتخابي ضد مرشح تقدمي، حتى عندما تكون المؤشرات الانتخابية الأولية في غير صالح الطرف الذي تدعمه جماعات الضغط.

ولا تتوقف المواجهة عند حدود كاليفورنيا. ففي فلوريدا، يواجه الناشط الاشتراكي الديمقراطي أوليفر لاركين النائب جاريد موسكوفيتز في الدائرة الخامسة والعشرين، بعدما حظي الأخير بدعم أيباك.

انتقاد الدعم غير المشروط الأمريكي لإسرائيل

ويضع لاركين الحرب على غزة ونفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في قلب حملته، منتقدا ما يصفه بالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل.

وفي خطابه الانتخابي، تحولت غزة إلى مدخل لمناقشة قضية أوسع: الدور الذي يلعبه المال السياسي في تحديد مواقف أعضاء الكونغرس، ومدى استقلال المرشحين عن الجهات التي تمول حملاتهم.

أما في نيوهامبشاير، فتأخذ المعركة شكلا أكثر ارتباطا بموضوع المال السياسي، إذ تخوض كاريشما منظور الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ في مواجهة النائب كريس باباس، في السباق لخلافة السيناتورة جين شاهين.

وتهاجم منظور باباس بسبب حصوله على دعم من جماعات مصالح، من بينها أيباك، وتجعل من تمويل الحملات ونفوذ جماعات الضغط محوراً رئيسياً في خطابها. كما تعارض المساعدات الأمريكية غير المشروطة لإسرائيل، وتصف الحرب في غزة بأنها «إبادة جماعية».

لا يقبل تبرعات من لجان العمل السياسي التابعة للشركا

وتذهب منظور إلى أبعد من انتقاد سياسة واشنطن تجاه إسرائيل، إذ تربط قبول أموال جماعات الضغط بمسألة استقلال المسؤول المنتخب.

ومن وجهة نظر حملتها، فإن المرشح الذي يعتمد على أموال الجهات صاحبة المصالح قد يجد نفسه أمام تضارب بين تمثيل الناخبين وتمثيل الجهات التي ساهمت في تمويل وصوله إلى المنصب.

في المقابل، يرفض معسكر باباس هذا التصوير، ويعتبر أن منظور تبالغ في تقدير حجم دعم أيباك له.

كما يؤكد أنه لا يقبل تبرعات من لجان العمل السياسي التابعة للشركات، ويشير إلى تشريع تقدم به بهدف الحد من الإنفاق الانتخابي الأجنبي.

وتأتي هذه المواجهات في أعقاب سباق أكثر دلالة في ميشيغان، حيث أنفقت أيباك عشرات الملايين من الدولارات في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ دعماً للنائبة هالي ستيفنز، لكنها خسرت بفارق ضئيل أمام المرشح التقدمي عبد الرحمن السيد.

وتكشف هذه النتائج، إلى جانب سباقات كاليفورنيا ونيوهامبشاير وفلوريدا، عن تحول تدريجي في طبيعة النقاش داخل الحزب الديمقراطي. فالدعم الأمريكي لإسرائيل، الذي ظل لعقود قضية تحظى بهامش واسع من التوافق داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، أصبح بصورة متزايدة موضوعاً انتخابياً قابلاً للنقاش والمساءلة، خصوصاً بين الناخبين والمرشحين التقدميين.

لكن الرهان الحقيقي يتجاوز نتائج عدد محدود من الانتخابات التمهيدية. فالمواجهة الحالية تختبر قدرة التيار الديمقراطي التقدمي على تحويل الغضب من الحرب في غزة إلى قوة انتخابية منظمة، وفي المقابل قدرة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل على استخدام المال السياسي للحفاظ على نفوذها داخل الحزب.

ومع اقتراب انتخابات نوفمبر، تبدو غزة وقد انتقلت من كونها قضية في السياسة الخارجية إلى واحدة من ساحات الصراع على هوية الحزب الديمقراطي نفسه: حزب أكثر استعداداً لمراجعة علاقته بإسرائيل والمال السياسي، أم حزب يحافظ على التوازنات التقليدية التي حكمت مقاربته لهذه القضايا لعقود.

وفي هذا السياق، فإن المعركة بين وهاب ومنظور من جهة، وجماعات الضغط والمرشحين المدعومين منها من جهة أخرى، قد تكون مؤشراً مبكراً على اتجاه أوسع داخل الديمقراطيين. فالسؤال لم يعد فقط: ماذا ينبغي أن تكون عليه سياسة واشنطن تجاه غزة؟ بل أصبح أيضاً: من يملك النفوذ الكافي لتحديد هذه السياسة، ومن يدفع ثمن محاولة تحديها انتخابياً؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى