الرئسيةمجتمع

عقول مغربية تقلص استهلاك الوقود..فمن يستثمرها؟

 لماذا لا يتحول الابتكار المغربي إلى صناعة؟

لم يكن الرقم الذي حققه طلبة مهندسون من أكادير في مسابقة دولية للنجاعة الطاقية مجرد نتيجة تقنية لافتة، بل تحول إلى مرآة تكشف في الوقت نفسه ما يستطيع العقل الهندسي المغربي إنتاجه، وما تزال منظومة البحث والابتكار مطالبة بتحويله إلى قيمة اقتصادية وصناعية.

فقد تمكن فريق «يونيفيرسيا كرياتورز» التابع للمدرسة المتعددة التقنيات بأكادير من قطع “248 كيلومتراً بلتر واحد من البنزين” خلال مشاركته في ماراثون شِل البيئي – بولندا 2026، محتلا المرتبة 18 في فئة النماذج الأولية بمحركات الاحتراق الداخلي.

كما تجاوز الفريق رقمه السابق البالغ 235.5 كيلومتراً للتر سنة 2024، وحقق تحسناً بأكثر من 22% مقارنة بنتيجة 2025.

عندما يصبح كل قطرة وقود مسألة هندسية

وراء هذا الرقم عمل هندسي متعدد التخصصات، شمل تحسين الديناميكية الهوائية، وتخفيف الوزن، والتحكم في سلسلة نقل الحركة، ورفع الموثوقية الميكانيكية وتحليل بيانات الاختبارات، إلى جانب تطوير استراتيجية القيادة، والأهم أن التجربة لم تبدأ في 2026، بل جاءت ثمرة مشاركة متواصلة للفريق منذ 2015، بما سمح بتراكم الخبرة ونقل المعرفة من جيل طلابي إلى آخر، وهنا تحديداً تتجاوز قصة دينامار «Dynamar» حدود المنافسة الرياضية أو التقنية، فكلما تمكن مهندس من تقليص استهلاك الطاقة، فإنه يقترب من أحد أكثر التحديات كلفة بالنسبة للاقتصاد المغربي: تقليص فاتورة الطاقة وتحسين كفاءة استعمالها.

النقل.. القطاع الذي يلتهم الطاقة

تُظهر أرقام وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أن قطاع النقل يستهلك 38% من الطاقة النهائية في المغرب، فيما يعتمد بنسبة 99% على الطاقات الأحفورية، ويساهم بـ23 % من انبعاثات الغازات الدفيئة، لذلك فإن البحث عن مركبات أكثر كفاءة ليس ترفاً جامعياً، بل يرتبط مباشرة بكلفة التنقل، وأسعار النقل، وكلفة نقل السلع، وبالتالي بمصاريف الأسر والقدرة التنافسية للمقاولات.. وتكتسب المسألة بعداً اقتصادياً أكبر عندما نضعها أمام حجم الاعتماد الخارجي على الطاقة، فالمعطيات الرسمية للوزارة تشير إلى أن “الفاتورة الطاقية بلغت 114 مليار درهم سنة 2024″، فيما وصلت نسبة التبعية الطاقية إلى 87.5%.

من مختبر الجامعة إلى خط الإنتاج

وهنا يبدأ السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا يحدث بعد انتهاء المسابقة؟

أن ينجح طلبة مغاربة في منافسة دولية أمر مهم، لكن الأهم هو قدرة المنظومة الاقتصادية على احتضان هذه المعرفة وتحويلها إلى منتج، وبراءة اختراع، وشركة ناشئة، أو تقنية تستفيد منها صناعة السيارات والنقل، فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب العقول، وإنما في المسافة التي تفصل أحياناً بين “الجامعة والسوق”.

فاتورة الطاقة.. والفاتورة الأخرى

المغرب الذي ينفق عشرات المليارات على واردات الطاقة لا يستطيع التعامل مع النجاعة الطاقية باعتبارها ملفاً تقنياً منفصلاً، فكل تحسن في كفاءة النقل يعني، نظرياً، تقليصاً في الطلب على الوقود، وكل ابتكار قابل للتعميم يمكن أن يتحول إلى مكسب للصناعة وللمستهلك وللاقتصاد الوطني.

248 كيلومتراً.. والاختبار الحقيقي يبدأ الآن

فالطلبة أثبتوا أن تقليص استهلاك الطاقة ممكن، وأن المنافسة على التكنولوجيا ليست حكراً على المختبرات الأجنبية، ويبقى السؤال الذي يتجاوز حلبة السباق: إذا كان فريق طلابي قادراً على استخراج 248 كيلومتراً من لتر واحد، فهل تستطيع المنظومة المغربية أن تستخرج من هذه الفكرة قيمة صناعية واقتصادية أكبر؟ انه اختبار لمدى قدرة المغرب على “تحويل المعرفة إلى ثروة”، والبحث العلمي إلى صناعة، والجامعة إلى شريك اقتصادي فعلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى