الرئسيةسياسة

وائل عواد يترك قيادة حزب ويترشح باسم الوردة

مؤشرات تكشف أن المشهد السياسي المغربي لا يتجه فقط نحو منافسة انتخابية جديدة، بل نحو إعادة ترتيب مستمرة للخريطة الحزبية، حيث بات انتقال السياسيين بين التنظيمات ظاهرة متكررة، وأصبح السؤال المطروح أكبر من أسماء المرشحين ومواقعهم داخل اللوائح: ماذا بقي من السياسة حين تتحول الأحزاب إلى مجرد منصات انتخابية متحركة؟

انتخب أمينا عاما لحزب في مؤتمر استثنائي

قصة وائل عواد تقدم نموذجا دالا على هذه التحولات، فالرجل الذي اختار خوض الانتخابات المقبلة باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بالدائرة الانتخابية لإقليم بركان، بعد استقالته من الأمانة العامة لحزب القوات المواطنة، ليس وافدا جديدا على الحياة السياسية، بل راكم تجارب متعددة داخل عدد من التنظيمات.

فقد مر عواد من الشبيبة الاستقلالية إلى الشبيبة الحركية، وكان عضوا في المجلس الوطني لحزب الحركة الشعبية، قبل أن يلتحق بحزب القوات المواطنة سنة 2025.

وفي أكتوبر من السنة نفسها، انتُخب أمينا عاما للحزب خلال مؤتمر استثنائي بمدينة السعيدية، لينخرط بعد ذلك في بناء الفروع والتنظيمات الموازية والتحضير للمشاركة في الانتخابات.

عواد يقدم استقالته في أقل من سنة من حزب انتخبه لقيادته

لكن التجربة لم تعمر طويلا. فبعد أقل من سنة على توليه قيادة الحزب، قدم استقالته، قبل أن يظهر مجدداً في واجهة المنافسة الانتخابية، ولكن تحت راية حزب آخر هو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

قد تبدو الواقعة، في ظاهرها، مجرد انتقال سياسي من حزب إلى آخر، وهي ممارسة لا تخلو منها الديمقراطيات.

غير أن وضعها داخل سياق الانتخابات المغربية يفتح بابا أوسع للنقاش حول طبيعة الحياة الحزبية، وحول ما إذا كانت الأحزاب ما تزال فضاءات لإنتاج الأفكار والمشاريع والبرامج، أم أنها تتحول تدريجيا إلى أوعية انتخابية تتغير تركيبتها بحسب موازين القوة وحسابات الاستحقاقات.

والسؤال هنا ليس موجها إلى وائل عواد وحده، ولا إلى الاتحاد الاشتراكي وحده، بل إلى المنظومة السياسية بأكملها.

فحين ينتقل سياسي من تنظيم إلى آخر في ظرف زمني قصير، فإن المشكلة لا تكمن بالضرورة في حقه في تغيير قناعته أو اختياره السياسي، وإنما في المعنى السياسي الذي تمنحه الأحزاب لهذه الانتقالات، وفي قدرة الناخب على فهم الحدود الفاصلة بين الاختلاف الفكري والمشروع السياسي من جهة، والحساب الانتخابي من جهة أخرى.

الانتخابات المقبلة لا تجري في فراغ

والأخطر أن هذا النوع من التحولات يأتي في لحظة تحتاج فيها السياسة المغربية إلى العكس تماما: أحزاب أكثر وضوحاً، وهويات سياسية أكثر تماسكا، وبرامج قابلة للمقارنة، ونخب قادرة على إقناع المواطنين بأن الانتخابات ليست مجرد عملية لتوزيع المقاعد.

فالانتخابات المقبلة لا تجري في فراغ.، المغرب يدخلها في سياق داخلي مثقل بأسئلة التشغيل، وارتفاع كلفة المعيشة، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وأزمة الثقة، وتراجع جاذبية العمل السياسي لدى قطاعات واسعة من الشباب.

كما تجري في عالم شديد الاضطراب، تتسابق فيه الدول والنخب لإعادة بناء مواقعها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، بينما أصبحت قوة الدول تقاس أيضا بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، والدفاع عن مصالحها، وصناعة التأثير خارج حدودها.

في مثل هذا العالم، لا تستطيع السياسة أن تبقى محكومة بمنطق من يترشح وأين يترشح فقط.

الديمقراطية ليست صناديق اقتراع وحسب؛ إنها قبل ذلك مؤسسات وأفكار ونخب ومشاريع وثقة. والانتخابات لا تكتسب قيمتها بمجرد ارتفاع عدد المرشحين أو تبدل انتماءاتهم، وإنما بقدرة الأحزاب على تقديم إجابات مقنعة عن الأسئلة الكبرى التي تواجه المجتمع والدولة.

من هذه الزاوية، تصبح واقعة وائل عواد أكثر من خبر انتخابي عابر. إنها مناسبة للتوقف عند حالة سياسية أوسع: حالة أصبحت فيها الحدود بين الأحزاب أقل وضوحا، فيما تزداد المسافة بين المواطن والسياسة اتساعا.

لقد كان من المفترض أن تكون الأحزاب مدارس للتكوين السياسي، وأن تنتج قياداتها من داخل مسارات فكرية وتنظيمية واضحة، وأن يكون الانتقال بينها استثناء تبرره تحولات سياسية وفكرية عميقة.

هل نحن أمام تنافس بين مشاريع سياسية أم أمام تنافس بين شبكات انتخابية

أما حين يصبح تغيير الانتماء الحزبي جزءا عاديا من هندسة الانتخابات، فإن السؤال المشروع يصبح: هل نحن أمام تنافس بين مشاريع سياسية، أم أمام تنافس بين شبكات انتخابية تتغير مواقعها من استحقاق إلى آخر؟

ولا يعني ذلك أن الاتحاد الاشتراكي مطالب برفض كل وافد، أو أن وائل عواد مطالب بالبقاء في حزب لم يعد مقتنعا به. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بمسؤولية الأحزاب عن إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها اختياراً فكرياً ومجتمعياً قبل أن تكون ترشيحاً انتخابيا.

لا يمكن بناء دولة ذات حضور دولي قوي بنخب سياسية تنشغل فقط بتدبير الخريطة الانتخابية. ولا يمكن إقناع الشباب بالمشاركة في الانتخابات إذا كان المشهد الذي يرونه أمامهم يختزل السياسة في صفقات الترشيح وتبديل الألوان الحزبية.

قضية وائل عواد ليست هي وائل عواد.. القضية هي ما تكشفه هذه الواقعة

الخلاصة السياسية أن قضية وائل عواد ليست هي وائل عواد. القضية هي ما تكشفه هذه الواقعة عن أزمة أعمق في السياسة المغربية: أزمة المعنى قبل أن تكون أزمة المشاركة، وأزمة الثقة قبل أن تكون أزمة الانتخابات.

فالانتخابات المقبلة ستكون اختبارا للأحزاب، لكن الاختبار الحقيقي لن يكون فقط في عدد المقاعد التي ستنتزعها، وإنما في قدرتها على الإجابة عن سؤال أكبر: هل تستطيع أن تعيد للسياسة معناها، وللحزب هويته، وللانتخابات قيمتها؟

وإذا ظلت السياسة مجرد انتقالات انتخابية من حزب إلى آخر، فإن أخطر ما قد تخسره الانتخابات المقبلة ليس مقعداً أو مقعدين، وإنما شيئا أكثر أهمية: تعميق أزمة ثقة المواطن في أن صوته يمكن أن يغير شيئا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى