الرئسيةسياسة

حكومة أخنوش: وعود كبيرة..وحصيلة تثير الأسئلة

مع اقتراب الولاية الحكومية الحالية من نهايتها، تدخل حكومة عزيز أخنوش مرحلة الحساب السياسي والاجتماعي، بعدما شكلت الوعود التي تضمنها التصريح الحكومي سنة 2021 سقفا مرتفعا للانتظارات.

فقد التزمت الحكومة بإحداث تحول ملموس في عدد من الملفات الاجتماعية، من تعميم الحماية الاجتماعية، إلى إخراج مليون أسرة من الفقر والهشاشة، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، فضلا عن خلق مليون منصب شغل صاف.

وبينما تسجل الحكومة تقدما في بعض الأوراش، خصوصا الحماية الاجتماعية وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، فإن أسئلة الحصيلة تزداد إلحاحا أمام استمرار ارتفاع البطالة وغلاء المعيشة واتساع مظاهر الهشاشة والفوارق. وهي مفارقة تجعل السنوات الخمس من الولاية الحكومية تبدو، في نظر منتقديها، أقل انسجاما مع حجم الوعود التي رُفعت في بدايتها.

حماية اجتماعية توسعت.. لكن خارج التغطية؟

يبرز ورش الحماية الاجتماعية باعتباره أحد أهم عناوين الولاية الحكومية. فقد انتقلت الحكومة من مرحلة الإعلان إلى تنفيذ منظومة الدعم الاجتماعي المباشر وتوسيع قاعدة المستفيدين من برامج الحماية.

غير أن هذا التقدم لا يلغي، بحسب خالد السطي، مستشار برلماني عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، استمرار اختلالات في الاستفادة الفعلية من المنظومة. ويشير السطي إلى وجود نحو ثمانية ملايين مغربي خارج التغطية الصحية، وفق تقديرات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، معتبرا أن الأمر يطرح سؤالا حول فعالية السياسات المعتمدة وأسباب استمرار الإقصاء.

ولا تتوقف الإشكالية عند التغطية الصحية، إذ يرى السطي أن جودة الخدمات الصحية والقدرة على تحمل تكاليف العلاج لا تزالان تحديين أساسيين، بما يعني أن توسيع قاعدة المستفيدين من الحماية الاجتماعية لا يكفي وحده للحكم على نجاح الورش، ما لم يواكبه تحسين فعلي في الولوج إلى العلاج وجودته وكلفته.

وعد إخراج مليون أسرة من الفقر.. ماذا تحقق؟

كان إخراج مليون أسرة من الفقر والهشاشة واحدا من أكثر الوعود الاجتماعية طموحا في التصريح الحكومي. لكن هذا الالتزام يصطدم اليوم، وفق قراءة السطي، بمؤشرات لا تعكس بلوغ الهدف المعلن.

ويشير المسؤول النقابي إلى معطيات تفيد بارتفاع عدد الأسر الفقيرة إلى نحو مليونين ونصف المليون، إلى جانب اتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية. ورغم استحضاره آثار جائحة كورونا والتضخم والجفاف، فإنه يؤكد أن هذه العوامل لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإعفاء السياسات الحكومية من التقييم والمساءلة.

وهنا تبرز إحدى أكبر مفارقات الولاية: كلما توسعت برامج الدعم الاجتماعي، بقي السؤال قائما حول قدرتها على معالجة جذور الفقر والهشاشة، وليس فقط تخفيف آثارها.

الطبقة الوسطى.. الزيادات التي أكلها الغلاء

كان توسيع الطبقة الوسطى جزءا أساسيا من الرؤية الاجتماعية التي قدمتها الحكومة. وقد شكل الحوار الاجتماعي والزيادات في الأجور أحد أبرز مداخلها لتحقيق هذا الهدف.

لكن السطي يرى أن أثر هذه الإجراءات ظل محدودا بالنسبة إلى شرائح واسعة من المواطنين، بسبب الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة والخدمات والمواد الأساسية والمحروقات. فالزيادة في الدخل، وفق هذه القراءة، تفقد جزءا كبيرا من أثرها عندما تتزامن مع ارتفاع متواصل في الأسعار.

كما يلفت إلى أن قطاعات واسعة من شغيلة القطاع الخاص لم تستفد من زيادات مماثلة، باستثناء الرفع من الحد الأدنى للأجر، فضلا عن عدم استفادة فئات من المتقاعدين من هذه الزيادات.

وبذلك، يتحول سؤال الطبقة الوسطى من مجرد مؤشر اقتصادي إلى سؤال اجتماعي وسياسي: هل استطاعت الحكومة بالفعل توسيع هذه الطبقة، أم أن ارتفاع كلفة الحياة دفع شرائح منها إلى الاقتراب أكثر من دائرة الهشاشة؟

القرية خارج حسابات الطبقة الفلاحية المتوسطة؟

لم يقتصر الالتزام الحكومي على الطبقة الوسطى في المدن، بل شمل أيضا توفير الشروط الاقتصادية والاجتماعية لبروز طبقة فلاحية متوسطة في العالم القروي.

غير أن السطي يعتبر أن الحكومة لم تستطع الوفاء بهذا الالتزام، في سياق زادت فيه سنوات الجفاف المتتالية من الضغط على الفلاحين والأنشطة الزراعية، وعمقت هشاشة عدد من المناطق القروية.

وتكشف هذه النقطة عن واحدة من أوجه التفاوت في الحصيلة الاجتماعية: فالمغرب القروي لا يواجه فقط مشكلة ضعف الدخل، بل أيضا تحديات مرتبطة بالماء والاستثمار وفرص الشغل والخدمات الأساسية، وهي ملفات تجعل الحديث عن تقليص الفوارق المجالية أكثر تعقيدا.

«مغرب بسرعتين».. الوعد الذي لم يختفِ

تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية كان بدوره من الالتزامات المركزية للحكومة، التي حددت هدفا طموحا يتمثل في خفض مؤشر جيني للتفاوت إلى أقل من 39، مقابل 46.4 في المائة حسب الرقم الوارد في التصريح الحكومي.

لكن السطي يرى أن المؤشرات المتاحة لا تثبت بلوغ هذا الهدف، رغم الاعتمادات المالية والمجهودات المعلنة في هذا المجال.

ويستحضر في هذا السياق استمرار الفوارق بين المدن والقرى، بل وحتى داخل المجال الحضري نفسه. وهو ما يجعل تعبير «مغرب بسرعتين» الذي طبع النقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة أكثر من مجرد توصيف عابر؛ إذ يعكس تفاوتا في فرص الوصول إلى التعليم والصحة والشغل والخدمات والبنيات الأساسية.

مليون منصب شغل.. والبطالة في الواجهة

إذا كان هناك ملف يبدو الأكثر حساسية في تقييم الحصيلة الحكومية، فهو التشغيل.

فالحكومة التزمت بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال ولايتها، لكن ارتفاع معدل البطالة إلى أكثر من 13 في المائة، بحسب المعطيات التي يستند إليها السطي، يجعل هذا الالتزام في قلب الانتقادات.

ويرى المستشار البرلماني أن التشغيل يمثل إحدى أبرز نقاط ضعف الحصيلة، مطالبا الحكومة بالاعتراف بفشل برنامجي «أوراش» و«فرصة»، وما خلفاه، وفق تعبيره، من «ضحايا»، خصوصا بين الشباب والنساء وحاملي الشهادات.

ولا يتعلق الأمر فقط بعدد المناصب المحدثة، بل بطبيعة فرص الشغل ومدى استدامتها وقدرتها على توفير دخل يحفظ الكرامة والاستقرار. فالمشكلة التي تواجهها فئات واسعة من الشباب لا تختزل في البطالة وحدها، وإنما تشمل أيضا العمل الهش، وضعف الأجور، وصعوبة الولوج إلى الوظائف المستقرة.

من «أوراش» و«فرصة» إلى سؤال الثقة

تكشف حصيلة التشغيل عن تحد أكبر يتجاوز الأرقام: الفجوة بين الوعود والانتظارات والنتائج.

فكلما ارتفع سقف التعهدات، أصبح تقييم الحصيلة أكثر ارتباطا بقدرة الحكومة على تحويل البرامج إلى فرص ملموسة في حياة المواطنين. وفي حالة الشباب، تحديدا، فإن استمرار البطالة وضعف فرص الاندماج الاقتصادي يمكن أن يعمقا الإحساس بعدم الاستقرار، ويزيدا المسافة بين المواطن والمؤسسات.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو قضية التشغيل مجرد ملف قطاعي، بل اختبارا للسياسة الاجتماعية والاقتصادية برمتها.

خمس سنوات.. وامتحان الوعود

مع اقتراب نهاية الولاية، تبدو الحصيلة الاجتماعية أمام معادلة مركبة: إنجازات لا يمكن تجاهلها في بعض الأوراش، مقابل اختلالات وأسئلة لم تجد أجوبة مقنعة في ملفات أخرى.

فالحماية الاجتماعية توسعت، والدعم الاجتماعي المباشر أصبح واقعا، والحوار الاجتماعي أفضى إلى زيادات في الأجور. لكن في المقابل، ظل الفقر والهشاشة وغلاء المعيشة والبطالة والفوارق المجالية حاضرة بقوة في النقاش العمومي.

وبينما يرى المدافعون عن الحكومة أن الأزمات العالمية والجفاف والتضخم وجائحة كورونا أثرت في قدرة السياسات العمومية على تحقيق أهدافها، يرد منتقدون بأن هذه الظروف نفسها كانت تستدعي سياسات اجتماعية أكثر استهدافا وفعالية.

وفي نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فقط في ما الذي أنجزته حكومة أخنوش؟ بل في سؤال أكثر حساسية: هل كانت النتائج التي تحققت خلال خمس سنوات بمستوى الوعود التي قُدمت للمغاربة سنة 2021؟

ذلك أن الحصيلة الاجتماعية لا تقاس بعدد البرامج التي أطلقت، وإنما بمدى تغير حياة المواطنين: هل تراجعت الهشاشة؟ هل تحسنت القدرة الشرائية؟ هل أصبح العلاج أكثر يسرا؟ هل تقلصت الفوارق؟ وهل وجد الشباب فرصا حقيقية للعمل؟

ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتحول هذه الأسئلة من نقاش اجتماعي إلى ورقة في الحساب السياسي، بعدما يصبح المواطن مدعوا إلى مقارنة ما وُعد به بما عاشه فعليا خلال خمس سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى