
أدخلت الحكومة الإسبانية أزمة سبتة المحتلة مرحلة جديدة من الاستنفار الرسمي، بعدما قررت التعامل مع التدفق غير المسبوق للمهاجرين إلى المدينة باعتباره قضية مرتبطة بالأمن القومي، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي خلفتها موجة الوصول الجماعي خلال الأسابيع الماضية، وما ترتب عنها من تحديات أمنية وإنسانية واجتماعية.
تشكيل قيادة موحدة لتنسيق تدخل مختلف الإدارات والوزارات
وأعلن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، الثلاثاء، عقب اجتماع استثنائي لمجلس الأمن القومي، اعتماد سبتة كمنطقة تحظى بـ«اهتمام للأمن القومي»، بالتوازي مع تشكيل قيادة موحدة لتنسيق تدخل مختلف الإدارات والوزارات، بهدف احتواء تداعيات الأزمة وإعادة المدينة تدريجيا إلى الوضع الذي كانت عليه قبل اندلاع موجة الهجرة.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، ستتولى هذه القيادة، برئاسة وزير السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية، أنخيل فيكتور توريس، مهمة تنسيق الإجراءات الحكومية في سبتة، في ظل استمرار وجود أعداد من المهاجرين، بينهم قاصرون وطالبو لجوء، بعدما شهدت المدينة خلال الفترة الماضية تدفقا بشريا استثنائيا فرض على السلطات تعبئة واسعة لمرافق الاستقبال والخدمات الأساسية.
سانشيز سيمثل أمام البرلمان لتقديم توضيحات بشأن تطورات الوضع في سبتة
وأكدت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة، إلما سايز، أن سانشيز سيمثل أمام البرلمان لتقديم توضيحات بشأن تطورات الوضع في سبتة، بينما يستعد توريس بدوره للمثول أمام مجلس النواب الخميس المقبل، إلى جانب عدد من الوزراء الذين شرعوا في تقديم إحاطاتهم بشأن طريقة تدبير الأزمة.
وفي هذا السياق، أكدت وزيرة الدفاع، مارغريتا روبلز، أن المركز الوطني للاستخبارات تبادل المعلومات مع الأجهزة الأمنية حول الوضع في المدينة، في مؤشر على اتساع نطاق التعاطي الرسمي مع الأزمة من مجرد ملف للهجرة إلى قضية متعددة الأبعاد تشمل الأمن والدفاع والتدبير الاجتماعي والإنساني.
عودة المهاجرين في صدارة المرحلة الثانية
وقال توريس إن السلطات الإسبانية دخلت مرحلة ثانية من التعامل مع الأزمة، تقوم أساسا على إعادة أكبر عدد ممكن من المهاجرين، سواء كانوا بالغين أو قاصرين، إلى بلدانهم، مع التشديد على احترام القوانين الإسبانية والأوروبية، وضمان حقوق الإنسان ومراعاة مصلحة الطفل الفضلى بالنسبة إلى القاصرين.
ولم يقدم الوزير رقما نهائيا لعدد المهاجرين الذين ما زالوا موجودين في سبتة، لكنه قدر نسبتهم بما بين 5 و10 بالمئة من إجمالي الذين وصلوا إلى المدينة خلال موجة التدفق الأخيرة.
وفي المقابل، شددت الحكومة الإسبانية على استمرار توفير الخدمات الإنسانية ومرافق الاستقبال لطالبي اللجوء والقاصرين، في ظل الحاجة إلى تدبير أعداد كبيرة من الوافدين، وتوفير أماكن للإيواء والرعاية والخدمات الصحية والتعليمية.
وتشارك في تنفيذ خطة الاستجابة للأزمة عدة قطاعات حكومية، من بينها الداخلية، والإدماج والهجرة، والصحة، والطفولة والشباب، والعدل، والدفاع، والمساواة، والاقتصاد، والخارجية، والتعليم، في مقاربة تعكس اتساع نطاق التداعيات التي خلفتها موجة الهجرة على المدينة.
25 مليون يورو للقاصرين
وضمن الإجراءات الجديدة، أقرت الحكومة الإسبانية تخصيص 25 مليون يورو لدعم القاصرين المهاجرين، إلى جانب مواصلة إجراءات الإيواء والرعاية وتوفير الخدمات الأساسية.
كما وافق مجلس الوزراء على مرسوم ملكي مرتقب نشره في الجريدة الرسمية الأربعاء، يتيح استخدام مساحات تابعة للحكومة المركزية وحكومة سبتة من أجل توفير أماكن إضافية لاستقبال المهاجرين، على أن يكون الإجراء قابلا للتحديث وفق تطورات الوضع وحجم الاحتياجات.
وتشمل التدابير أيضا إنشاء مرافق إيواء مؤقتة، وتوفير اللقاحات، والاستعداد للموسم الدراسي المقبل، إلى جانب إجراءات تستهدف الحد من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة.
خطة اقتصادية لمواجهة تداعيات الأزمة
ولم تقتصر الاستجابة الحكومية على الجانب الأمني والإنساني، إذ قررت مدريد توسيع خطة التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة الخاصة بسبتة، والتي سبق أن رُصد لها تمويل بقيمة 180 مليون يورو، بعدما بلغت نسبة إنجازها نحو 80 بالمئة في دجنبر الماضي.
وتسعى الحكومة من خلال هذه الإجراءات إلى تخفيف آثار الأزمة على المدينة، ودعم قدرتها على استعادة نشاطها المعتاد، في وقت بات فيه ملف الهجرة يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه سبتة، ويفرض على السلطات الإسبانية الموازنة بين الاعتبارات الأمنية ومتطلبات الاستقبال الإنساني والالتزامات القانونية تجاه المهاجرين، ولا سيما القاصرين وطالبي اللجوء.
وبذلك، تكشف الإجراءات الإسبانية الجديدة عن انتقال أزمة سبتة من تدبير طارئ لموجة هجرة جماعية إلى ملف حكومي واسع ذي أبعاد أمنية وإنسانية واقتصادية، مع توجه مدريد إلى تشديد التنسيق بين مؤسسات الدولة، وتسريع عمليات العودة، بالتوازي مع محاولة احتواء التداعيات التي خلفتها الأزمة على المدينة وسكانها ومرافقها.





