
البوحسيني: لا تجعلوا النضال النسائي جواز مرور إلى السلطة
لم تضع لطيفة البوحسيني قضية المرأة في مواجهة السلطة، بل وضعت “السلطة نفسها أمام امتحان قضية المرأة”، ففي تدوينتها الأخيرة، اختارت أن تذهب بالنقاش إلى منطقة أكثر حساسية: لتقول ان حق النساء في الوصول إلى مراكز القرار هو ثمرة نضالات طويلة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى حصانة من المساءلة، ولا إلى غطاء لتجاوز سؤال النزاهة والشفافية.
تحرير: جيهان مشكور
ومن هذه الزاوية، جاء موقفها من احتمال تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة المقبلة.. فالبوحسيني لا تعترض على أن تتولى امرأة رئاسة الحكومة، بل ترفض أن يصبح “مجرد وصول امرأة إلى موقع القرار عنواناً كافياً للحداثة”، فيما تظل الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية العامة وتضارب المصالح والشبهات المثارة في حاجة إلى أجوبة واضحة.
حق انتزعته النساء.. لا امتيازاً فوق المساءلة
تستعيد البوحسيني أولاً تاريخ الحركة النسائية المغربية، لتؤكد أن وصول النساء إلى مواقع القرار لم يكن منحة سياسية، بل حصيلة عقود من النضال من أجل الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية،
وتشير إلى أن مراجعة المنظومة القانونية بعد دستور 2011، وما رافقها من آليات لإدماج النساء في الترشيحات الحزبية والبرلمانية، ساهمت في رفع حضورهن داخل المؤسسات المنتخبة، لكن التحول، في قراءتها، لم يحدث داخل المؤسسات فقط.. فالمرأة المغربية كانت حاضرة أيضاً في الحركات الاجتماعية والمهنية والاحتجاجية؛ من نساء فكيك المدافعات عن الحق في الماء، إلى نساء حراك الريف، ومسيرات أيت بوكماز، وتظاهرات «جيل زد»، واحتجاجات عاملات مكناس دفاعاً عن حقوقهن الشغلية.
ولهذا، تقول البوحسيني إن تطلع النساء والرجال إلى مراكز القرار حق مشروع، لكن انتزاع هذا الحق بالنضال لا يعني امتلاك صاحبه حصانة من المحاسبة.
حين تصبح «الحداثة» نفسها موضع مساءلة
من هنا تبدأ البوحسيني مساءلة الخطاب الذي يربط احتمال وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة بالحداثة، خصوصاً بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية، وتصريحات المنصوري التي اعتبرت فيها التكليف المحتمل تشريفاً ومسؤولية وطنية تخضع للتقدير الملكي.،
وتضع تعريفاً صارماً للحداثة التي تدافع عنها: عقلانية، وحريات، واحترام للقانون، واستقلال للقضاء، وفصل بين الخاص والعام، وحماية للمال العام.
وعلى هذا الأساس تطرح سؤالها الأكثر إحراجاً: “أي حداثة نتحدث عنها إذا كانت هذه المبادئ نفسها لا تحضر بقوة عندما يتعلق الأمر بمن يطمح إلى تدبير شؤون البلاد؟”
وتربط البوحسيني سؤالها بما نشرته منصة «لو ديسك» من تحقيقات تضمنت ادعاءات ووثائق حول أراضي تسلطانت وعلاقات ومصالح عقارية عائلية ومسائل مرتبطة بالتعمير. وهي، في تدوينتها، لا تقدم تلك المعطيات باعتبارها إدانة، بل تطالب بأن تخضع للتحقق القضائي.
قرينة البراءة لا تعني إغلاق باب الأسئلة
وهنا ترسم البوحسيني حدود موقفها بوضوح، فهي ترفض الإدانة المسبقة والتشهير، وتتمسك بقرينة البراءة، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تتحول هذه القرينة إلى ذريعة لإغلاق باب المساءلة.
بل تقول إنها كانت ستسعد لو بادرت المنصوري إلى طلب فتح تحقيق حول ما نشرته «لو ديسك»، ولو طالبت بتدقيق موضوعي في ممتلكاتها وثرواتها، بما يرفع الالتباس ويضع حداً للشكوك والتشكيك.. ففي نظر البوحسيني، “المسؤولية العامة لا تُبنى على مجرد الثقة السياسية، وإنما تحتاج أيضاً إلى ضمانات واضحة للاستقامة والنزاهة.”
لا تحموا النضال النسائي بتحويله إلى حصانة
الأكثر حساسية في موقف البوحسيني أنها ترفض اختزال الدفاع عن النساء في الدفاع عن كل امرأة تصل إلى السلطة، فالنساء، كما تقول، لسن جميعاً تجسيداً لنبل القيم، تماماً كما أن الرجال ليسوا جميعاً مصدر الانحرافات.
ومن هنا يأتي رفضها لما تسميه «بهدلة» النضال النسائي النبيل، فتمكين المرأة، في تصورها، لا يتعارض مع الشفافية، والاحتكام إلى القانون، والمساءلة، بل إن هذه المبادئ هي التي تمنح هذا التمكين معناه الحقيقي.
وتنتهي البوحسيني إلى موقف حاسم: “من يتطلع إلى تحمل مسؤولية الشأن العام وتدبير مصالح شعب بأكمله، عليه أن يقدم ضمانات استقامته ونزاهته.”
أما إذا حامت حوله شبهات، فإن موقفها المعلن هو الانسحاب من فضاء الشأن العام إلى أن تقول العدالة كلمتها، ليس لأن المرأة أقل حقاً في السلطة، بل لأن “المرأة، في تصورها، يجب أن تدخلها بالمعايير نفسها التي يُفترض أن يخضع لها الرجل: الحق، والقانون، والشفافية، والمساءلة.”
وهكذا يتحول دفاع البوحسيني عن حق النساء في القرار إلى سؤال أعمق: “كيف نحمي مكاسب النضال النسائي من أن تتحول من وسيلة لتحقيق المساواة إلى ذريعة لتعطيل المساءلة؟”






