
حميد برادة.. جنازة تختصر 6 عقود من الصحافة
وُوري الثرى، بعد عصر اليوم السبت، بمقبرة الرحمة في الدار البيضاء، جثمان الصحافي والمثقف المغربي حميد برادة، الذي توفي مساء الجمعة 25 شتنبر، عن عمر ناهز 86 عاما، بعد مسار مهني وفكري امتد لأكثر من ستة عقود، جمع خلاله بين الصحافة والنضال السياسي والعمل الأكاديمي والحوار الإعلامي.
وشهدت مراسم التشييع حضور عدد من الشخصيات السياسية والثقافية والإعلامية، من بينهم فتح الله ولعلو، القيادي السابق في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وإدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، ومحمد برادة، مؤسس شركة «سابريس»، وإبراهيم أوشلح، القيادي السابق في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى جانب الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية محمد الطوزي، وعدد من الصحافيين والإعلاميين وأصدقاء الراحل وأفراد أسرته.
من طنجة إلى السياسة في سن مبكرة
وُلد حميد برادة بمدينة طنجة سنة 1939، في أسرة وطنية تعود أصولها إلى فاس. وتلقى تعليمه بالمدرسة الإسلامية الحرة التي كان يشرف عليها العلامة عبد الله كنون، قبل أن يواصل دراسته بثانوية «ريغنو».
ومنذ شبابه، انخرط برادة في العمل الطلابي والسياسي، وانتُخب سنة 1962 رئيسا للاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
غير أن نشاطه السياسي خلال تلك المرحلة قاده إلى مغادرة المغرب، بعدما صدر في حقه حكم غيابي بالإعدام سنة 1963. وعاش سنوات في الجزائر وفرنسا، قبل أن يعود إلى المغرب سنة 1978.
«جون أفريك».. من الصحافة إلى رئاسة التحرير
بعد حصوله على تكوين في الفلسفة والقانون وعلم الاجتماع السياسي، اتجه برادة إلى الصحافة، فالتحق بمجلة «جون أفريك» صحافياً ومراسلا، قبل أن يتولى رئاسة تحريرها بين عامي 1974 و1985، وهي الفترة التي رسخت حضوره ضمن أبرز الأسماء الصحافية المغربية والفرنكوفونية.
كما شغل لاحقا منصب مدير منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط في القناة الفرنكوفونية «TV5»، وواصل طوال مسيرته الاشتغال على قضايا السياسة والمجتمع والثقافة، مستفيدا من تجربة مهنية أتاحت له الاقتراب من عدد كبير من الشخصيات المؤثرة في المغرب والمنطقة.
محاور سياسيون وفكريون وشهادات من زمن التحولات
ارتبط اسم حميد برادة، بشكل خاص، بفن الحوار الصحافي. فقد أجرى خلال مسيرته مقابلات مع شخصيات سياسية وفكرية بارزة، من بينها الحسن الثاني، وعبد الرحمان اليوسفي، وعبد الله العروي، وأحمد بن بلة، وحسين آيت أحمد، وراشد الغنوشي، وليوبولد سيدار سنغور، ومحمد بوستة، ومحمد حربي.
وكان برادة قد أجرى حوارا مع الملك الحسن الثاني لفائدة قناة كندية، ونُشر جزء منه لاحقا في مجلة «جون أفريك»، في واحدة من أبرز محطات مساره في الصحافة السياسية.
«Mais Encore?».. حضور جديد على الشاشة المغربية
وفي المغرب، استعاد برادة حضوره أمام الجمهور الواسع من خلال القناة الثانية «دوزيم»، عبر برنامجه الحواري الثقافي «Mais Encore?»، الذي قدمه بين 2007 و2018.
واستضاف البرنامج شخصيات من مجالات السياسة والفكر والثقافة، وقدم من خلاله برادة نموذجا خاصا في إدارة الحوار، قائما على استنطاق الضيف ومناقشة أفكاره، بعيدا عن الصيغة التقليدية للحوارات التلفزيونية.
أستاذ جامعي وشاهد على مرحلة سياسية
لم يقتصر مسار الراحل على الصحافة والإعلام، إذ اشتغل أيضا أستاذا جامعيا إلى حين تقاعده، كما أنجز فيلمين وثائقيين.
وكان برادة كذلك من الشهود الذين شاركوا في جلسات مغلقة لهيئة الإنصاف والمصالحة، التي أُحدثت سنة 2004، في سياق استعادة شهادات مرتبطة بمرحلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفها المغرب.
«أنطولوجيا الحوارات».. أرشيف ستة عقود
وفي سنة 2025، صدر الجزء الأول من كتابه «أنطولوجيا الحوارات»، وهو عمل ضم مختارات من حواراته المنشورة بين 1977 و2012، في أكثر من 700 صفحة.
ويقدم الكتاب جانبا من الأرشيف الصحافي لبرادة، ويوثق عبر الحوارات التي أجراها لعدد من التحولات السياسية والفكرية والاجتماعية التي عرفها المغرب والمغرب العربي وإفريقيا على مدى عقود.
برحيل حميد برادة، يفقد المشهد المغربي واحدا من الصحافيين الذين جعلوا من الحوار وسيلة لفهم السياسة والمجتمع، ومن الصحافة مساحة للقاء بين السياسي والمثقف والمفكر.
وبين العمل السياسي والصحافة الدولية والتلفزيون والتدريس، امتد مساره لأكثر من ستة عقود، تاركا وراءه أرشيفا من الحوارات والشهادات التي ستظل جزءا من ذاكرة الصحافة المغربية المعاصرة.





