الرئسيةسياسة

تحالف اليسار: لا تنمية تحت سقف التحكم

لم تمنح نبيلة جلال، المنسقة ورئيسة المجموعة النيابية لتحالف اليسار بمجلس النواب، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، فرصة الاكتفاء بعرض وعود البرنامج الحكومي، بل أعادت النقاش إلى حصيلة الحكومة السابقة، ومسؤولية الأحزاب التي شاركت في تدبيرها، ومدى جدية الحديث عن تغيير المسار في ظل استمرار الأسئلة المرتبطة بتضارب المصالح والمحاسبة.

وخلال الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي، اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، وضعت جلال ما وصفته بـ«فضيحة صاك طنجة» في صلب المواجهة السياسية، معتبرة أن القضية ألقت بظلالها على الانطلاقة الحكومية، وطرحت إشكالا يتجاوز التدبير الإداري إلى المسؤولية السياسية والأخلاقية.

«صاك طنجة» يلاحق الحكومة الجديدة

اختارت المسؤولة البرلمانية اليسارية مساءلة رئيسة الحكومة انطلاقا من ماضيها الحكومي، مذكرة إياها بأن حزب الأصالة والمعاصرة كان شريكا في الحكومة السابقة، التي قالت إنها كرست تداخل المال والسلطة، ووفرت بيئة ملائمة لتضارب المصالح، في وقت تحملت فيه الطبقة الوسطى والفئات الشعبية كلفة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.

وبهذا المدخل، شككت جلال في قدرة الحكومة الجديدة على إقناع المغاربة بوجود قطيعة فعلية مع الممارسات السابقة، معتبرة أن تغيير الخطاب لا يكفي لإثبات تغيير السياسات، خصوصا حين تظل قضايا تدبير الشأن العام والمساءلة السياسية حاضرة في النقاش العمومي.

وقالت إن الرهان على نتائج الانتخابات لتجاوز هذه الأسئلة لا يمنح أي جهة حصانة من المساءلة، مستحضرة قضية «صاك طنجة» باعتبارها عنوانا للإحراج السياسي الذي رافق بداية الولاية الحكومية.

اعفاء وزيرة في 48 ساعة يثير تساؤلات عن معايير الاختيار

ولم تقف انتقادات جلال عند هذه القضية، بل ربطتها بإعفاء وزيرة بعد 48 ساعة فقط من تعيينها، معتبرة أن الواقعة تثير تساؤلات بشأن معايير اختيار أعضاء الحكومة وآليات التدقيق في كفاءاتهم وملاءمتهم للمسؤوليات المسندة إليهم.

وتساءلت، في هذا السياق، عن الضمانات التي ستمنع تكرار الاختلالات نفسها عند تدبير الصفقات العمومية والمشاريع الكبرى، إذا كانت الحكومة قد واجهت هذا الإرباك في أولى خطواتها.

280 مليار درهم بلا أثر ولا محاسبة؟

انتقلت مداخلة تحالف اليسار من مساءلة الأشخاص إلى مساءلة الاختيارات الاقتصادية والمالية، مستحضرة ما أثارته جلال بشأن تصريح وزير المالية حول تبديد وتبذير 280 مليار درهم دون أثر ملموس ودون محاسبة.

وطرحت المسؤولة البرلمانية سؤالا جوهريا بشأن التناقض بين إعلان الحكومة التأسيس لمرحلة جديدة من المسار التنموي، واستمرار غياب أجوبة مقنعة عن مصير مبالغ مالية ضخمة وعن المسؤوليات المرتبطة بتدبيرها.

ومن منظور التحالف، لا يمكن اختزال تقييم البرنامج الحكومي في حجم الوعود أو عدد المشاريع المعلنة، بل ينبغي إخضاع السياسات العمومية لمعيار النتائج الفعلية، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين، مع تحديد المسؤوليات عند تسجيل الهدر أو سوء التدبير.

ويضع هذا الموقف الحكومة أمام اختبار يتجاوز تقديم برنامج جديد، إلى توضيح ما إذا كانت مستعدة لإرساء قواعد فعلية للشفافية والمحاسبة، بدل الاكتفاء بإعادة صياغة الالتزامات نفسها التي رافقت تجارب حكومية سابقة.

الإصلاح الدستوري قبل الوعود التنموية

في الشق السياسي، شددت جلال على أن التنمية لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن طبيعة النظام الدستوري وتوزيع السلطة ومراكز القرار، داعية إلى إصلاح دستوري شامل في اتجاه ملكية برلمانية تقوم على الفصل الفعلي بين السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبذلك، نقل تحالف اليسار النقاش من حدود البرنامج الحكومي إلى شروط إنجاحه، معتبرا أن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية تظل محدودة الأثر ما لم تقترن بتغيير مؤسساتي يتيح للمؤسسات المنتخبة ممارسة صلاحياتها، ويجعل المسؤولين خاضعين للمساءلة.

وفي ما يتعلق بحقوق الإنسان، انتقدت جلال غياب أي إشارة إلى المعتقلين في التصريح الحكومي، رغم تأكيده اعتبار حقوق الإنسان خيارا وطنيا ثابتا.

وأعلنت أن التحالف سيعيد طرح مقترح عفو عام شامل لفائدة معتقلي حراك الريف وشباب «جيل Z»، إلى جانب المعتقلين السياسيين والصحفيين والمدونين والنقابيين والحقوقيين، مع المطالبة بوقف المتابعات التي يعتبرها كيدية وجبر الضرر.

فلسطين والوحدة الترابية خارج الحسابات الضيقة

وعلى مستوى القضايا الوطنية والدولية، أكدت جلال تمسك تحالف اليسار باسترجاع سبتة ومليلية والجزر والثغور المحتلة، داعية إلى برنامج استعجالي لتنمية المناطق الحدودية، وإشراك البرلمان والقوى السياسية في مناقشة تنزيل الحكم الذاتي.

كما انتقدت صمت البرنامج الحكومي بشأن التطبيع مع إسرائيل، معتبرة أن التطورات المرتبطة بالحرب على غزة تفرض موقفا سياسيا واضحا، يتمثل، بحسبها، في تجريم التطبيع وإلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل، ودعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

وتكشف هذه المداخلة عن توجه تحالف اليسار إلى التعامل مع البرنامج الحكومي باعتباره موضوعا للمساءلة السياسية، وليس مجرد وثيقة لتجميع الوعود القطاعية.

فبالنسبة إلى جلال، لا يبدأ تغيير المسار بإعلان مرحلة جديدة، بل بإجابات واضحة عن حصيلة المرحلة السابقة، ومصير المال العام، وحدود المسؤولية السياسية، والضمانات الدستورية التي تحول دون تكرار الاختلالات نفسها.

معارضة التحالف ليست معارضة أرقام ومقاعد

إذ أن معارضة تحالف اليسار، وفق برنامجه، ليست معارضة أرقام ومقاعد، ولا مجرد رفض آلي للبرنامج الحكومي، بل معارضة سياسية مبدئية تضع المسؤولية والمحاسبة في صلب النقاش، وتربط التنمية بالديمقراطية والإصلاح الدستوري، وتدافع عن الحريات وحقوق المعتقلين.

إنها معارضة ترفض منح صك براءة للسلطة بمجرد تغيير الوجوه، وتصر على أن جوهر التغيير ليس في الوعود، بل في القطع مع تضارب المصالح والتحكم وإفلات المسؤولين من المحاسبة.

إنها في الأخير استنادا لمداخلة المنسقة، معارضة تريد مساءلة من يحكم، لا الاكتفاء بمراقبة ما يعلن؛ وتراهن على قوة الموقف لا على حسابات التموقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى