الرئسيةرأي/ كرونيك

امرأة على رأس الحكومة: الآن يبدأ امتحان المنصوري

 بقلم الصحافية هدى سحلي

الحركة النسائية المغربية حين كانت تناضل ولاتزال، فهي تناضل من أجل كل المغربيات كيفما كانت توجهاتهن، ومستواهن التعليمي والثقافي والمادي، لأننا إن كنا نناضل باختلاف مشاربنا وقناعاتنا وطرقنا وأساليبنا، فنحن لا نناضل الا لغاية واحدة: بناء بيئة ديموقراطية تقوم على العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، وعلى تكافؤ الفرص وعدم التمييز، لا لمصلحة جماعتنا نحن بالذات كمنتمين او مدافعات عن قضايا النساء.

لذلك لا ضير اليوم، في أن تصبح فاطمة الزهراء المنصوري أول امرأة تترأس الحكومة المغربية، حتى وإن لم يُعرف عنها مسار نضالي داخل الحركة النسائية المغربية.

بل إن وصول امرأة إلى هذا الموقع يظل حدثا له دلالته الرمزية، ومن حق المغربيات أن ينظرن إليه باعتباره كسرا لحاجز ظل قائما منذ الاستقلال.

ماذا ستفعل أول رئيسة للحكومة المغربية بالسلطة

لكن الرمزية شيء، والسياسة شيء آخر، فالخطاب النسائي الذي رافق تقديم المنصوري خلال المرحلة الانتخابية واستُثمر سياسيا في دعم صورتها ووصولها إلى صدارة المشهد، سيصبح اليوم أمام امتحان حقيقي: ماذا ستفعل أول رئيسة للحكومة المغربية بالسلطة التي أصبحت بين يديها؟

هنا تحديدا تبدأ مسؤوليتها. من الخطاب إلى القرار منذ دستور 2011، لم تعد المساواة بين النساء والرجال مجرد شعار سياسي، إذ الفصل 19 ينص صراحة على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وعلى عمل الدولة من أجل تحقيق مبدأ المناصفة.

هل ستجعل المنصوري من المناصفة سياسة فعلية في تشكيل الحكومة

واليوم، بعد أن عُينت امرأة رئيسة للحكومة، يصبح من حقنا أن نطرح السؤال الذي لا ينبغي أن يهرب منه أحد: هل ستجعل فاطمة الزهراء المنصوري من المناصفة سياسة فعلية في تشكيل الحكومة، أم ستظل المناصفة مجرد عنوان رمزي يرافق أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة؟

الاختبار الأول يبدأ من الحكومة التي ستشكلها: ليس المطلوب أن تكون النساء مجرد وزيرات في القطاعات التي جرت العادة على إسنادها إليهن، ولا أن يتم الاحتفاء بعدد محدود من الوجوه النسائية في الحكومة.

المطلوب هو أن تصبح المناصفة قاعدة في توزيع المسؤولية السياسية، وأن يتم اختيار النساء للقطاعات التي تصنع القرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني والسياسي، لا فقط القطاعات التي يُنظر إليها تقليديا باعتبارها امتدادا للرعاية الاجتماعية.

إذا كانت المنصوري ستدخل التاريخ باعتبارها أول امرأة على رأس الحكومة، فإن السؤال الذي سيحدد القيمة السياسية لهذا الحدث هو: كم امرأة ستدخل معها إلى مواقع القرار الحقيقي؟

ثم هناك الاختبار الأكبر: استعمال الصلاحيات لا تمنح المنصوري صفة «أول امرأة رئيسة للحكومة» فقط، الدستور يمنح رئيس الحكومة صلاحيات واسعة في ممارسة السلطة التنفيذية.

فهو يمارس السلطة التنظيمية، ويمكنه تفويض بعض سلطاته إلى الوزراء، كما ينص الفصل 91 على تعيين رئيس الحكومة في الوظائف المدنية بالإدارات العمومية وفي الوظائف السامية بالمؤسسات والمقاولات العمومية، مع مراعاة اختصاصات الفصل 49.

هل ستستعمل المنصوري صلاحيتها كرئيسة حكومة لتغيير بنية النخبة التي تتولى مواقع القرار؟

وهنا يصبح السؤال أكثر تحديدا: هل ستستعمل المنصوري هذه الصلاحيات لتغيير بنية النخبة التي تتولى مواقع القرار؟

هل ستجعل معيار الكفاءة والاستحقاق والنزاهة وتكافؤ الفرص أساسا فعليا للتعيين؟ وهل ستفتح المجال أمام نساء وكفاءات ظلت خارج دوائر الاستقطاب التقليدية؟ وهل ستصل المناصفة إلى المؤسسات والمقاولات العمومية والإدارات العليا، أم ستبقى محصورة في الصورة الحكومية؟

فالقانون نفسه يجعل من تكافؤ الفرص والاستحقاق والشفافية والمساواة وعدم التمييز، ومن بينها عدم التمييز على أساس الجنس، مبادئ للتعيين في المناصب العليا، ويعتبر المناصفة مبدأ تسعى الدولة إلى تحقيقه.

وهذا يعني أن لدى رئيسة الحكومة اليوم أدوات دستورية وقانونية تسمح لها بأن تجعل من المساواة في الوصول إلى القرار ممارسة ملموسة.

الامتحان الحقيقي للمنصوري سيكون في القرارات

هنا سنعرف ماذا يعني أن تكون رئيسة للحكومة لن يكون الامتحان في الصورة التاريخية التي ستلتقطها الكاميرات مع أول اجتماع للحكومة، سيكون الامتحان في القرارات. في أسماء الوزراء. في توزيع الحقائب. في التعيينات العليا. في المعايير التي ستعتمدها لاختيار المسؤولين. وفي قدرتها على جعل النساء شريكات في صناعة القرار، لا مجرد مستفيدات من خطاب التمكين.

وهنا أيضا يمكن أن تنتقل قضية المرأة من رمزية التمثيل إلى سياسة السلطة.

لقد ظل المغرب منذ الاستقلال مجتمعا تحكمه، بدرجات مختلفة، هيمنة ذكورية على مواقع القرار، والنضال النسائي لم يكن هدفه استبدال رجل بامرأة في صورة السلطة، وإنما تفكيك الشروط التي تجعل الوصول إلى السلطة والقرار حكرا على الرجال.

لذلك فإن أول رئيسة للحكومة مطالبة اليوم بأن تجيب، بالفعل لا بالشعارات، عن سؤال بسيط: هل ستفتح الباب أمام النساء كما فتح لها؟ وإذا فعلت، فسيكون لتعيينها معنى يتجاوز شخصها.

الانتصار الذي تريدة الحركة النسائية المغربية

أما إذا بقيت المرأة مجرد صورة جميلة و(زواق) لمرحلة سياسية جديدة، فسيكون قد تحقق انتصار رمزي، دون أن يتحقق بالضرورة الانتصار الذي ناضلت من أجله الحركة النسائية: المساواة الفعلية في السلطة والقرار.

لهذا لا أرى في تعيين فاطمة الزهراء المنصوري خاتمة لنضال النساء من أجل الوصول إلى رئاسة الحكومة، بل أراه بداية امتحانها.

ما بعد القول: المنصوري تنتمي إلى نخبة سياسية تشكلت داخل مشروع لم يظهر في سياق التطور الطبيعي للحركة الحزبية المغربية، وظل منذ نشأته داخل دائرة المساءلة لأسباب يعرفها الجميع، بسبب طبيعة تركيبته واعتماده، بدرجات متفاوتة، على الأعيان وشبكات النفوذ.

كما أن عددا من قيادييه ومسؤوليه الكبار يوجدون اليوم في السجن في قضايا فساد ونهب للمال العام والاتجار في المخدرات،

ما يطرح أسئلة حقيقية حول طبيعة النخب التي أفرزها هذا المسار السياسي. وقد أصبح الحزب اليوم الأول في البرلمان، في انتخابات لم تتجاوز نسبة التصويت فيها 38.02%، من أصل 15.8 مليونا من المسجلين في اللوائح الانتخابية، بينما لم يصوت سوى قرابة 6 ملايين ناخب، ناهيك عن الجدل حول حضور المال الانتخابي، وفضيحة «الصاك» التي اعتُقل على إثرها خمسة أفراد، بالإضافة إلى عمدة طنجة المنتمي إلى الحزب.

اقرأ أيضا…

البوحسيني تضع «حداثة» المنصوري أمام الامتحان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى