
لم تكن صورة محمود عرشان، مؤسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، إلى جانب نجله عبد الصمد عرشان، خلال مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، صورة سياسية عادية.
ففي فاتح أكتوبر الجاري، حضر عرشان الأب إلى جانب نجله، الأمين العام الحالي للحزب، في اللقاء الذي جمع وفد الحركة الديمقراطية الاجتماعية بفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة.
لكن حضور الرجل أعاد، فور تداول الصور، فتح واحدة من أكثر صفحات التاريخ السياسي والحقوقي المغربي حساسية: سنوات الجمر والرصاص، ومعتقل درب مولاي الشريف، وشهادات المعتقلين السياسيين عن التعذيب.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بروايات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي أو باتهامات سياسية عابرة.
فالمغرب نفسه فتح هذا الملف رسميا من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة، التي استمعت إلى ضحايا الانتهاكات، ودونت شهاداتهم ضمن ملفاتها ومحاضر جلساتها، وخلصت في تقريرها النهائي إلى توثيق ممارسات ممنهجة للتعذيب وسوء المعاملة خلال فترات الانتهاكات الجسيمة.
هيئة الإنصاف والمصالحة.. حين تصبح الشهادات جزءا من الذاكرة الرسمية
حين أنشأ المغرب هيئة الإنصاف والمصالحة، لم يكن الأمر يتعلق بلجنة سياسية لتبادل الاتهامات، وإنما بمؤسسة رسمية كُلفت بالنظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفها المغرب خلال الفترة الممتدة من الاستقلال إلى نهاية القرن الماضي.
وقد أكدت الهيئة في تقريرها النهائي أن تحليل الملفات والشهادات المقدمة خلال جلسات الاستماع العمومية والمغلقة مكنها من الوقوف على طرق مختلفة مورست بشكل منهجي لتعذيب المعتقلين.
ووثق التقرير أساليب من بينها التعليق والضرب والكي بالسجائر واقتلاع الأظافر والإرغام على شرب مواد ملوثة، فضلا عن أساليب أخرى خلّفت إصابات جسدية وآثارا نفسية دائمة، وفي بعض الحالات أدت إلى الوفاة.
وبذلك لم يعد الحديث عن التعذيب في سنوات الرصاص مجرد روايات سياسية متضاربة؛ فقد أصبح جزءا من وثيقة رسمية للدولة المغربية، مبنية على ملفات وشهادات الضحايا.
وهنا تحديدا تعود قضية محمود عرشان إلى الواجهة.
محمود عرشان.. رجل الشرطة الذي خرج من درب مولاي الشريف إلى السياسة
قبل أن يصبح مؤسسا لحزب سياسي ووجها معروفا في الحياة البرلمانية، كان محمود عرشان مسؤولا أمنيا، وارتبط اسمه بمعتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، أحد أشهر مراكز الاعتقال والتعذيب التي طبعت مرحلة سنوات الرصاص.
وقد أدرجت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان اسمه ضمن قائمة المسؤولين الأمنيين الذين حملتهم مسؤولية تعذيب معارضين سياسيين في ذلك المعتقل.
كما ظل اسمه حاضرا في شهادات وكتابات عدد من المعتقلين السابقين الذين تحدثوا عن تجربتهم داخل درب مولاي الشريف.
وهنا يجب التوقف عند نقطة أساسية: الحديث عن عرشان لا يستند فقط إلى اتهامات أطلقتها جهة سياسية في مواجهة جهة سياسية أخرى، بل إلى شهادات ضحايا قدمت في إطار تجربة هيئة رسمية أنشأتها الدولة نفسها للاستماع إلى ضحايا الانتهاكات وتوثيق ما تعرضوا له.
أما المسؤولية الفردية والقضائية عن كل واقعة، فهي مسألة أخرى لم تحسمها هيئة الإنصاف والمصالحة في شكل أحكام جنائية فردية.
درب مولاي الشريف.. المكان الذي بقيت جدرانه شاهدة
درب مولاي الشريف لم يكن مجرد مركز أمني في الذاكرة المغربية.
كان اسما مرادفا للاختفاء والاعتقال السياسي والتعذيب بالنسبة إلى أجيال من المناضلين، خصوصا اليساريين والمعارضين الذين اعتقلوا خلال فترات الصراع السياسي الحاد.
وتكشف شهادات المعتقلين السابقين عن ظروف قاسية عاشوها داخل المعتقل، من الضرب والتنكيل والحبس في ظروف مهينة، إلى التعليق والحرمان من النوم والإجبار على اتخاذ أوضاع جسدية مؤلمة.
وفي شهادات منشورة لمعتقلين سابقين، ورد اسم عرشان ضمن الأسماء التي بقيت عالقة في ذاكرتهم عن ذلك المعتقل.
إحدى الشهادات المنشورة عن تجربة الاعتقال في درب مولاي الشريف تتحدث صراحة عن وجود «محمود عرشان» ضمن المسؤولين الذين ظل حضورهم مرتبطاً بذاكرة المعتقل.
ضحايا الأمس ما زالوا أحياء
ربما تكمن حساسية الصورة الجديدة في أن الحديث عن سنوات الرصاص ليس حديثا عن جيل انقرض أو عن أحداث بعيدة لا يعرفها المغاربة إلا من كتب التاريخ.
عدد من الذين مروا من تلك المعتقلات ما زالوا أحياء.
ومن عاش التعذيب لا يتعامل بالضرورة مع عودة أحد الأسماء المرتبطة بتلك المرحلة إلى واجهة المشهد السياسي باعتبارها تفصيلا بروتوكوليا.
لهذا فإن صورة عرشان وهو يجلس في مشاورات تشكيل حكومة جديدة أعادت إلى السطح سؤالا لم يغادر الذاكرة الحقوقية المغربية: ماذا يعني أن تعود شخصيات ارتبط اسمها بمرحلة الانتهاكات إلى قلب الحياة السياسية، بينما ما زال الضحايا يحملون آثار تلك المرحلة؟
محمد حفيظ: «الماضي يعتدي على الحاضر»
هذا تحديدا ما عبر عنه الأستاذ الجامعي والناشط السياسي محمد حفيظ، الذي اعتبر أن سنوات الرصاص ما تزال حاضرة من خلال ظهور شخصيات ارتبطت بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المشهد السياسي.
وقال حفيظ إن «تلك السنوات لا تزال تطارده من خلال الظهور العلني لأشخاص متورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المشهد السياسي»، واصفاً عرشان بأنه «هذا الجلاد الذي مارس التعذيب على المغاربة في زمن الجمر والرصاص».
وأضاف أن هؤلاء، بحسب تعبيره، «استفادوا من عدم إخضاعهم للمساءلة ومن الإفلات من العقاب على جرائم الماضي»، معتبرا أن استمرار ظهورهم السياسي يعيد إنتاج جراح الضحايا وعائلاتهم.
ويضع حفيظ المسألة في إطار الذاكرة الجماعية، معتبرا أن استحضار هذه الأسماء اليوم يذكر المغاربة بما حدث، ويطرح السؤال حول المعنى الفعلي لتجربة الإنصاف والمصالحة.
نوفل البعمري: صورة تعيد «مغربا» قيل إنه دُفن
من جانبه، اعتبر نوفل البعمري، رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، أن استقبال عرشان داخل مقر حزب الأصالة والمعاصرة يحمل مفارقة كبيرة.
وكتب البعمري أن الحزب «نظريا» يقدم نفسه في أدبياته باعتباره منتميا إلى مرحلة الإنصاف والمصالحة ومعالجة الانتهاكات الجسيمة للماضي، قبل أن ينتقد استقباله لشخصية أمنية سابقة ارتبط اسمها، بحسبه، بالتعذيب وانتهاكات حقوقية.
ووصف البعمري الصورة بأنها «صورة سلبية»، معتبرا أنها تعيد إلى الواجهة مغربا «قام ملكه بدفنه» عندما قُدم أمامه التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة.
وأضاف أن الصورة، في نظره، «لا تنتمي لمغرب اليوم، ولرجل ضحاياه ما زالوا يعانون، وما زالوا على قيد الحياة».
المفارقة السياسية.. من سنوات الرصاص إلى مشاورات الحكومة
المفارقة لا تتوقف عند حضور عرشان في المشاورات، فالرجل الذي ارتبط اسمه في الذاكرة الحقوقية بمرحلة أمنية قاسية، انتقل لاحقا إلى العمل السياسي، وأسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، وأصبح جزءا من المؤسسات السياسية والحزبية، واليوم يظهر في مشاورات تشكيل حكومة جديدة.
أي أن المسار الذي بدأ من جهاز أمني في مرحلة سنوات الرصاص انتهى، بعد عقود، إلى طاولة المشاورات الحكومية، وهذا الانتقال هو الذي يجعل الصورة أكثر من مجرد لقاء سياسي، إنها، بالنسبة إلى الحقوقيين والضحايا، صورة تختصر سؤالا كبيرا حول المصالحة والذاكرة والمسؤولية.
«المصالحة» لا تعني بالضرورة نسيان المسؤوليات
هيئة الإنصاف والمصالحة اختارت مقاربة تقوم على كشف الحقيقة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة، بدل اعتماد محاكمات شاملة للمسؤولين عن كل الانتهاكات.
وقد لعبت جلسات الاستماع دورا أساسيا في إعطاء الضحايا فرصة للحديث علنا عن تجاربهم، واستعادة جزء من كرامتهم، وإيصال ما تعرضوا له إلى الرأي العام.
لكن ذلك لم ينهِ النقاش حول المسؤوليات الفردية، ولهذا، فإن ظهور أسماء مرتبطة بتلك المرحلة في مواقع سياسية متقدمة يعيد السؤال إلى نقطة البداية:
هل تكفي المصالحة لجبر آثار التعذيب والاعتقال السياسي، أم أن الذاكرة تحتاج أيضا إلى اعتراف واضح بالمسؤوليات؟
من بنكيران إلى المنصوري.. الصورة تتكرر
ليست هذه المرة الأولى التي يظهر فيها عرشان في سياق مشاورات تشكيل الحكومة.
فقد سبق أن أثار حضوره خلال مشاورات تشكيل حكومة عبد الإله بنكيران سنة 2016 انتقادات حقوقية وسياسية مشابهة.
واليوم، بعد عشر سنوات، تعود الصورة في سياق جديد، لكن الاسم نفسه يعود إلى الواجهة.
وهنا يصبح السؤال أعمق من استقبال سياسي عابر:
هل طويت صفحة سنوات الرصاص فعلا، أم أن الصفحة طويت سياسيا فقط، بينما بقيت مفتوحة في ذاكرة من عاشوا التعذيب والاعتقال؟
الصورة التي فتحت ملفا لم يغلق
قد يكون اللقاء، من الناحية السياسية، مجرد محطة من محطات المشاورات لتشكيل الحكومة، لكن بالنسبة إلى عائلات المعتقلين السياسيين السابقين والناجين من التعذيب، فإن ظهور عرشان إلى جانب رئيسة الحكومة المكلفة يحمل معنى مختلفا تماما.
فالذاكرة لا تنظر إلى الصورة وحدها، وإنما ترى خلفها درب مولاي الشريف، والمعتقلات، وغرف التحقيق، وشهادات الضحايا، ومحاضر الاستماع، وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة.
ولهذا لم تكن صورة الأول من أكتوبر مجرد صورة من مشاورات تشكيل الحكومة، كانت صورة أعادت سنوات الجمر والرصاص إلى قلب الحاضر السياسي المغربي.
وتزداد قتامة الصورة حين توضع في سياق الوضع الحقوقي الراهن؛ فبعد عقود من الحديث عن طي صفحة سنوات الرصاص، لا يزال ملف الحريات وحقوق الإنسان يثير انتقادات واسعة، فيما يقبع في السجون عشرات المعتقلين على خلفية قضايا مرتبطة بالتعبير والاحتجاجات والحراكات الاجتماعية.
وهكذا يبدو الماضي، بالنسبة إلى كثير من الحقوقيين، أقل بعدا مما يفترض: أسماء ارتبطت بسنوات الرصاص تعود إلى الواجهة، وملفات الحريات التي كان يفترض أن تكون جزءا من الماضي لا تزال حاضرة في الحاضر.





