اقتصادالرئسية

40% تراجعا..هل دخل العقار مرحلة الأزمة؟

 حين يعجز الدعم عن خفض كلفة السكن

لم يعد تباطؤ سوق العقار المغربي مجرد فتور عابر في الطلب، بعدما بدأت مؤشرات متعددة تكشف اختلالاً أعمق: مبيعات تتراجع، ورخص البناء تنكمش، والأوراش تتقلص، بينما تواصل كلفة البناء ضغطها على الأسعار، وبين مواطن يبحث عن سكن في حدود قدرته الشرائية، ومنعش يواجه كلفة إنتاج مرتفعة، تبدو السوق عالقة في معادلة يصعب كسرها بالدعم وحده.

العقار

أرقام تكشف انكماشاً يتجاوز البيع

تكشف المعطيات المتداولة تراجع مبيعات السكن الجديد بنحو 40.2%، وانخفاض رخص البناء بـ35%، وتراجع الأوراش المفتوحة بحوالي 40%، بالتزامن مع انخفاض مبيعات الإسمنت بنحو 20%، ولا تعكس هذه المؤشرات ضعف إقبال المشترين فقط، بل تكشف انتقال التباطؤ إلى مراحل الإنتاج نفسها.

وتؤكد معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن نمو قطاع البناء تباطأ إلى 1.5% خلال الفصل الأول من 2026، مقابل 7.1% خلال الفترة نفسها من السنة السابقة، قبل أن يتحسن إلى 2.1% خلال الفصل الثاني، مدفوعاً أساساً باستمرار الاستثمارات العمومية في البنيات التحتية، بينما ظل بناء المساكن بوتيرة أكثر اعتدالاً.

الدعم يحرك الطلب ولا يخفض كلفة العرض

المفارقة أن الدولة ضخت آلية مباشرة لتحفيز السوق فقد تجاوز عدد المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن 105 آلاف شخص، من أصل نحو 218 ألف طلب، فيما تقل قيمة 60% من المساكن المقتناة عن 300 ألف درهم.

لكن السؤال الأهم ليس كم مستفيداً وصل إليه الدعم، بل ماذا يحدث بعد وصوله إلى السوق؟ فالمساعدة المالية قد تعزز قدرة المواطن على الشراء، لكنها لا تخفض تلقائياً ثمن الأرض أو أسعار مواد البناء أو كلفة التمويل.. وهنا تظهر حدود معالجة الطلب بمعزل عن كلفة إنتاج السكن.

المواطن والمنعش أمام المأزق نفسه

تتسع الفجوة بين طرفي المعادلة: مواطن بقدرة شرائية محدودة، ومنعش يواجه مشاريع أكثر كلفة وهوامش أضيق، وتكشف أرقام المندوبية السامية للتخطيط أن المغرب كان يتوفر سنة 2024 على نحو 1.1 مليون مسكن شاغر، مقابل عجز كمي في السكن قدره 334 ألف وحدة، بما يشير إلى أن المشكلة لا تختزل في نقص الوحدات، وإنما تمتد إلى ملاءمة العرض مع الطلب والقدرة على تحمل الكلفة.

وهذا يعني أن استمرار ارتفاع الأسعار في سوق يتراجع فيه الطلب يطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة العرض العقاري نفسه: هل تنتج السوق ما يحتاجه المواطن فعلاً، أم ما تستطيع كلفة الإنتاج وهوامش الاستثمار فرضه؟

أزمة العقار تختبر السياسة العمومية

لذلك لا يكفي قياس نجاح السياسة العقارية بعدد المستفيدين من الدعم أو عدد المعاملات المسجلة، فالاختبار الحقيقي هو قدرة هذه السياسة على الجمع بين “سكن يمكن للأسرة تحمله، وبناء يمكن للمنعش الاستمرار فيه، وسوق لا يعتمد على التحفيز العمومي وحده للحفاظ على نشاطه”.

المشكلة في النهاية ليست أن المواطن لا يريد الشراء، ولا أن المنعش لا يريد البناء؛ بل أن “السعر الذي يستطيع الأول تحمله، والكلفة التي يستطيع الثاني تحملها، يبدوان أبعد فأبعد عن نقطة الالتقاء”، وبينما يستمر الدعم في محاولة تحريك الطلب، تبقى المعادلة الأصعب خارج الحل: كيف ينخفض ثمن السكن من دون خفض كلفة إنتاجه؟ هنا تحديداً ستُقاس نجاعة السياسة العقارية، لا بعدد البرامج المعلنة، بل بقدرتها على إعادة السوق إلى نقطة يلتقي فيها “دخل المواطن مع سعر السكن، وكلفة البناء مع قدرة السوق”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى