لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟

0

أحمد بان الكاتب والباحث المصري

يعتكفون في مساجدهم لطلب العلم الشرعي، يتمدّدون تحت أعين الأنظمة، ينهمكون بحماس لافت في أنشطتهم الاجتماعية والدعوية، عبر مؤسسات تحظى عادة بشرعية قانونية، عمر بعضها يتجاوز القرن من الزمن، يتابعون هزائم الإخوان والجهاديين، بتعاطف أحياناً وشماتة أحياناً أخرى.

تحدّثهم أنفسهم بأنّهم وحدهم من تفوق على الأنظمة السياسية والحركات، والتيار الذي استطاع أن يعيش ويتمدّد ويبقى، ليقدّم الأرضية العقدية والفكرية، حتى لمن فشل من الإخوان والجهاديين؛ فهل يعود شعورهم بالتفوق فقط إلى نجاتهم من سخط المجتمعات والأنظمة وتجنّبهم السقوط في مستنقع السياسة  أو مصير شركائهم؟

لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟ لا شكّ في أنّ الإجابة تبدو مركّبة، وأكثر تعقيداً مما يعتقد كثيرون، لكن أيضاً قد تكون البساطة والوضوح في السلفية سببين مهمّين لجاذبيتها، رغم ارتباطها في الأغلب بانتهاكات تبدو  مستوعبة اجتماعياً للحقوق والحريات، سواء في قمع النساء أو السيطرة الاجتماعية الحادة، عبر الفهم المتطرف لمفهوم الحسبة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنّ تلك الجاذبية لها وجه آخر، خاصة لدى الشباب، خاصة الذين يشعرون بالتهميش، أو المسحوقين تحت مطارق العيش، أو المهاجرين، أو المقموعين سياسياً، والذين يجدون في السلفية  الفرقة الناجية التي تمتلك الحقيقة المطلقة التي تؤمّن دائرة الراحة الفورية وسط هذا التّيه.

يبدو السلفيون عادةً قادرين على منازعة أيّة سلطة سائدة سواء سلطة الأسرة، أو الأب أو النخب أو الدولة أو القيم الثقافية الشائعة إضافة إلى رفض الذوبان في العولمة بالتشديد على النقاء العقدي وكما يقول محمد علي أدراوي، في كتابه عن السلفية في فرنسا “تكمن القوة الأساسية للسلفية في مقدرتها على أن تقول نحن أفضل منكم”

 

نجد أبعاد هذا الشعور بالتفوق في ستّ محددات في السلفية:

1- أنّها ليست ثورية على نحو صريح؛ أي إنّها لا تتحدى أيّة حالة راهنة تحدياً مباشراً، بزعمها القدرة على قلب الأوضاع، عبر تبنّي أيديولوجية وافدة، كالماركسية مثلاً؛ بل هي تزعم أنّها تبني نظاماً أخلاقياً مثالياً لتطهير البنى الموجودة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وهي مثل كثير من الحركات الإصلاحية الأخرى، محطمة للتماثيل الدينية، أو تقاليد الوثنية، باسم المحافظة.

2- هي أيضاً تستمد تمكينها من زعمها بالتفوق الفكري في المعرفة، أو ما يسمى في أدبياتها “العلم الشرعي”، الذي يُختزَل عادة في الفهم الخاص للتفسير والحديث، والالتحاق بالفرقة الناجية عندهم لا يعني الحصول على مرتبة التفوق الأخلاقي على الآخرين فقط؛ لكن يعني أيضاً اكتساب معرفة أعلى بالإسلام، وهي المعرفة التي يظنون أنّ على كلّ مسلم أن يمتلكها، وزيادة على ما تقدم؛ القدرة على الوصول المباشر إلى النصّ، الذي يجعل المرء قادراً على تحدّي المؤسسات الدينية الرسمية، التي تستند عادة إلى الفقه بمذاهبه المعروفة، إضافة إلى النسخة  الشعبية السائدة للإسلام، وكلاهما مرتبطان بهيكل السلطة المهيمنة، أو الثقافة السائدة.

3- تزوّد السلفية أتباعها بهوية قوية، تترك في نفوسهم شعوراً بالأمان، في مواجهة رياح العولمة والتغريب العاصفة، فهم بارزون ومتمايزون؛ كونهم مختلفين في المظهر (اللحية، والثوب القصير للرجال، والنقاب للنساء)، ويبدو السلفيون الجدد -كما يرى أوليفييه روا- مهووسين بالحدود.

4- تسمح السلفية لأتباعها أن يتماهوا بسهولة أكثر بكثير مع الأمة الواسعة، وهو الأمر الذي يعزز ادعاءاتها، وهذا على النقيض من الإخوان الموجهين توجيهاً سياسياً بشكل أكبر منه اجتماعياً.

5- السلفية فاعلة نشيطة، في الوقت الذي تبدو فيه لدى المراقب ساكنة مستكينة، فهي تستحثّ أتباعها طوال الوقت، عن طريق التحفيز والتلقين المستمرين، عبر حلقات ما يسمى “العلم الشرعي”، والدعوة إلى المشاركة بفعالية في الرسالة السلفية، ونشر أفكارها؛ فهي تمتلك وظيفة اجتماعية نشطة، لا من باب إظهار تفوق المرء فقط، ولكن لإظهار وممارسة هذا التفوق أيضاً في المجال العام والخاص، باستخدام الولاء والبراء، أو بتعبير أقوى حتى مما سبق؛ عن طريق المشاركة في الجهاد، عند السلفية الجهادية.

6- السلفية، مثل كلّ الحركات الدينية، وعلى النقيض من الأيديولوجيات السياسية، تمتلك خبرة هائلة من الغموض والمرونة، مع أنّها تدّعي الوضوح والصلابة في عقيدتها؛ فهي رغم صراعها من أجل النقاء في الممارسة، طيّعة وقابلة للتشكّل، ويسمح غموضها للموالين لها بأن يكونوا من الناحية السياسية مساندين للأنظمة، وأن يقوموا أيضاً برفضها في آن واحد.

تبدو كلّ تلك الخصائص دوافع في البنية السلفية، تدفع أصحابها للشعور بالتفوق على كلّ شركاء الحالة المتطرفة؛ حيث يبدو التيار السلفي، سواء في مشايخه أو أحزابه، مثالاً حيّاً لتلك الخصائص، التي جعلتهم حتى الآن في منعة من عداء الأنظمة، التي استخدمت بعضهم في ترسيخ سلّم اجتماعي، والتقاط الأنفاس في ظلّ المواجهة المستعرة بين الأنظمة والمجتمعات من جهة، والإخوان والجهاديين من جهة أخرى، ويبقى السؤال: هل تبقى الحركات السلفية بمأمن من غضب الحكومات والمجتمعات طويلاً، أم ستدرك المجتمعات والحكومات معاً أنّ من قدّم البنية المعرفية والتربوية لعناصر الإخوان والجهاديين في الحقيقة، كانت هي الحركات السلفية التي لا يخفي أيّ من قيادات الإرهاب دورها في تنشئته وإعداده لدوره هذا، أو الطريق الذي اختاره لحياته؟ بمعنى آخر؛ بعد الفشل الواضح للإخوان والجهاديين هل حانت ساعة السلفيين؟!

المصدر: حفريات

اترك رد