بين الدراويش الجدد وناس الغيوان … الملحون يرسم الهوية والمسار

0

العربي رياض

معلوم أن أفرادا من مجموعة ناس الغيوان، وعلى رأسهم، بوجميع والعربي باطما ومولاي عبدالعزيز الطاهري… كانوا ينشطون في المقهى المسرحي الذي أسس له الطيب الصديقي، وكانوا يرددون بواسطة السنتير والطبيلات والبندير مجموعة من أغاني المسرحيات التي قدمها الصديقي للجمهور في الستينات، إذاك كانت العلاقة قد توطدت بين بوجميع والعربي من جهة ومولاي عبدالعزيز الطاهري من جهة أخرى، فمولاي عبدالعزيز بعد عطاءات فنية متميزة بمراكش، قصد العاصمة الاقتصادية ليلتحق بوظيفة خولتها له مؤهلاته، لكن صادف حلوله بالدارالبيضاء عزم الطيب الصديقي على إعادة إنتاج المسرحية الشهيرة الحراز لذلك كان الصديقي على اتصال دائم بصاحب المسرحية ، الأستاذ عبدالسلام الشرايبي الذي كان أول من قدم المسرحية بمراكش مع فرقة الوفاء المراكشية، بطلب من الملك الحسن الثاني، وكانت فرقة الوفاء تضم أشهر الممثلين بينهم عبدالجبار الوزير ومحمد بلقاس، ولأن المسرحية كانت تتألف من مقاطع كثيرة من فن الملحون، كان المشكل عند الصديقي وطرحه لعبدالسلام الشرايبي، هو مسألة حفظ هذه المقاطع الملحونية من طرف الفرقة التي ستؤدي العمل، فاخبره الشرايبي بأن مولاي عبدالعزيز الطاهري متواجد حاليا بمدينة الدارالبيضاء، وبإمكانه القيام بهذه المهمة مع الممثلين لأنه من حفظة الملحون وفنون القول، أضف إلى ذلك أنه هو من لعب الدور الرئيسي للحراز أي دور العاشق مع فرقة الوفاء عندما قدمت للملك وبعض ضيوفه من أروبا والعالم العربي بمسرح كازينو ، فدعاه الصديقي للالتحاق بالفرقة والتي كانت تضم أسماء أضحت نجوما فيما بعد بينهم حميد الزوغي ومحمد مفتاح والحسين بنياز وغيرهم ، وهناك تعرف على بوجميع والعربي وعمر …

في المقهى المسرحي كما قلنا أصبحو.يرددون أغاني المسرحيات بالإضافة أغاني كان يرددها العربي باطما تنهل من المجتمع الزراعي وأغاني لمولاي عبدالعزيز مأخودة من التراث الشعبي وحفظها في مراكش ، إقبال الناس وتجاوبها مع هذه الأغاني دفعت علي القادري وهو بالمناسبة صهر الطيب الصديقي أن يقترح عليهم أداء هذه الأغاني في مطاعم وفنادق بالبيضاء وأكادير .

فالقادري كانت له وكالة للتنشيط الفني، وقد استقطب من خلالها العديد من المشاهير، خاصة الفرنسيين لتقديم عروضهم بالمغرب، فاشتغلوا سواء معه أو مع الطيب الجامعي بعده باسم الدراويش الجدد، والدراويش تحيل على فرق كانت في العصر العباسي والعثماني تقوم برقصات فلكية وروحية ميزة أصحابها الصوفيين أنهم فقراء لكنهم كرماء حتى أنهم يتسولون من أجل الآخر ، لكن بعد مدة وحيث كان العربي وبوجميع ومولاي عبدالعزيز وعمر على اجتماعات مسترسلة أخذوا يفكرون في المستقبل والآفاق خاصة موضوع تحديد مراسم ومعالم المجموعة بمعنى أي مجموعة نريد؟.

طبيعة الحال وهم في خضم التفكير كانوا بالموازاة مع ذلك يقومون بتداريب على أغاني من التراث الشعبي، ومن الأغاني او القطع التي كانوا يتمرنون عليها ، أغنية ملحونية إسمها ” الكاوي ” لناظمها بوعزة الدريبكي الذي تقول عليه كتب الملحون أنه كان كان مشاوريا ،على عهد مولاي عبدالرحمان، وفي أول عهد الحسن الأول اعتزل الوظيف ورجع لحرفته الأصلية وهي الخرازة وهو من وداية قصبة لعلو بالرباط يقول أحد أبياتها : إلى نجبر أهل الفن بحالي.. يستحسنوا قوالي .. يبكيوا على بكاي.. ناس الغيوان يسالوا.

وأخذوا يتبادلون النظرات حيث استهواهم هذا الإسم وقرروا بشكل عفوي أن يكون عنوانهم الكبير للفرقة، بعدها سيحددون الخط الغنائي الذي يجب أن تتبناه المجموعة، هذا ما أكده في العديد من المناسبات واللقاءات المبدع مولاي عبد العزيز الطاهري ، الذي يعد الركيزة الثالثة لخيمة الغيوان خلال التأسيس إلى جانب العربي وبوجميع ، وأحد مسطري الخط الغنائي للأغنية الغيوانية ككل ، فالرجل اجتمع فيه العازف والملحن والزجال والكاتب والمسرحي والملم ببحر الملحون وفن القول والتراث الشعبي عموما ، بالإضافة إلى تمتعه بثقافة واسعة في مجالات عديدة ولا ننسى أنه أول من اعطى لآلة السنتير المكانة التي تستحق قبل أن يكمل المسير لمعلم باكو ولمعلم باقبو مع حيلالة.

في القسم الثالث من قصيدة الكاوي ترتكن التسمية التي اختارها بوجميع والعربي والطاهري ، حيث يقول الناظم :

القسم الثالث
البَعْضْ فـَالنـَّاسْ كَيْلـُومُو وِيزيدُو فِي امْلامْ حَالي
وُبَعْضْ النـَّاسْ كـَيْقـُولـُو هَذا عَمْدَا لـُو

هَذا حَالي مْعَ الهْوَى مَنْ صَغـْرِي مَوْلـُوعْ بَالغـْوَالي
اتـْرَوَّعْ سَاكـْني وَنـْطـَقْ مَنْ غيرْ اسْوالـُو

وِلـَى نَجْبَرْ هَلْ الفـَنّْ بْحالِي يَسْتـَحْسْنـُو اقـْوَالي
يَبْكيوْ عْلـَى ابْكـَايْ نـَاسْ الغيوَانْ يْسَالـُو

وِلـَى نَجْبَرَ هَلْ اللـُّومْ يْلـُومُو وِيبَطـْلـُو اشـْغـَالي
ويقـُولـُو يَا لـْطيفْ رَاهْ تـْقـَوَّى تـَخـْلالـُو

لامُوني فِي افـْعَايـْلي وفـَْعَلـْهُمْ عَدَّا عْلـَى افـْعَالي
لـَكِنْ غْدَا كـُلـّْهَا يَتـْحَاسَبْ بَفـْعَالـُو

اختلفت بعض المداخلات عند بعض الباحثين عن القصيدة التي اختارت منها الغيوان إسمها ، بحكم أن هناك قصائد ملحونية أخرى ذكرت إسم الغيوان ، إلا أن الطاهري حسم في الموضوع مامرة أكد أن الاختيار جاء من قصيدة الكاوي .

هذه القصيدة أقترح أن يشتغل عليها الإخوة في المجموعات التي تقلد أغاني الغيوان ويعطوها ما تستحق على المستوى الموسيقي إكراما وتكريما للرواد

تنويه : كل الشكر للصديقين كمال كاملي والفنان الرائع محمد المتوكل فالأول هو الذي أمدني بالقصيدة كاملة ، والثاني أعطاني نبدة على الشيخ بوعزة الدريبكي

اترك رد