لعريني الباحث في علم الاجتماع يكتب: مونولوج بين هي وهو حول كورونا ونظرية المؤامرة!(الجزء2)

1

هي : من هو هذا الوغد الذي سلط قذارة هذه الجائحة على سكان الأرض؟

هو: من يدري؟ لا أحد بإمكانه الإجابة عن سؤالك هذا في خضم التضليل الإعلامي الكبير الذي يحيط بنا من كل حذب وصوب. يبدو سؤالك عن الحالة الصفر في سلسلة فيروس كوفيد ١٩، شبيها بالأسئلة الأنطولوجية الملغزة، كالتساؤل عن ماهية الصانع الأول، أو عن كيف يمكن للامنتاهي أن يسكن المتناهي، أو عن الأصل هل البيضة أم الدجاجة؟

هي: لكنني افترض أن هذا الفيروس ليس مجرد حادث طبيعي أو طفرة جينية، وأرجح أن يكون سلاحا بيولوجيا محبوكا في كواليس المختبرات.

هو: الجميع يتحدث عن هذه الجائحة اللامتوقعة، والكل منشغل بها ومتخوف اليوم من الأزمة المالية الوشيكة، لقد أصبح هذا الوباء المعولم مصدر مخاطر مقلقة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها، ولا أحد يعرف متى ستنتهي، وكيف، وإلى أين! كل ذلك في نظري يعزز الإيمان بنظريات المؤامرة لتفسير ما يقع.

لكن المعرفة بالماضي تكشف عن زيف نظريات المؤامرة عموما، وعدم قابلية معظمها للتطبيق!! صحيح أن بعض المؤمرات في التاريخ نجحت، وأن الدسائس والخيانات تتخلل علاقات الصداقة والزواج والزمالة والقرابة، والأعداء وجدوا ويوجدون في كل بقاع العالم.

إلا أن الكثير من خطط المتآمرين تجهضها الحوادث غير المتوقعة. نيقولا مكيافيلي، صاحب المقولة الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة” والنصائح السياسية الخالدة الموجه للأمير ضد خصومه المتآمرين، عايش العديد من المؤامرات ولاحظ أن مؤامرة تنطوي دائما على عدد لا يحصى من الصعوبات والمخاطر، واعتبر أن الفشل غالبا ما يكون مآل المؤامرات المحبوكة، والتاريخ مليء بالتجارب التي تظهر أن الكثير من القادة نجوا بجلدهم من الانقلابات والدسائس والسموم.

لذا، فالمؤامرات نادرا ما تنجح، كالمؤامرة النازية العنصرية التي فشلت، والمؤامرات التي حبكت للهيمنة على الشرق الأوسط من طرف بعض الدول الأوروبية وأمريكا لصالح الكيان الصهيوني لم تكلل بالنجاح أيضا. كما أن الحكومتان البريطانية والفرنسية قسمتا الشرق الأوسط سرا بموجب اتفاق سايكس-بيكو، ولكن سرعان ما خسرتا هيمنتهما، واللائحة طويلة من الأمثلة المشابهة.

هي: صحيح، ولكن في المقابل تظهر الكثير من تجارب عصرنا، أن العديد من الاضطرابات العالمية التي وقعت في العقود الأخيرة، الحروب، تغير المناخ العالمي، انهيار أسعار النفط، الأزمات المالية، هي كلها من صنع الإنسان.

هو: إن نظريات المؤامرة مثلها مثل الأوبئة كلما وقعت واقعة أو مستجد كارثي عصي على الفهم إلا وتفشت في الناس أكثر مما تتفشى فيهم الفيروسات. اعتقد أن الإيمان بالتآمر أخطر على المجتمعات من الفيروس نفسه!!

هي: الماسونيون اليهود معروف عنهم حبك المؤامرت الواحدة تلوى الأخرى منذ قديم العهود، آخرها ما يعرف ب”صقفة القرن” أو بالأحرى “صفعة القرن”. إنهم يريدون في النهاية السيطرة على العالم بكل مفاصله وتفاصيله. لقد فرضوا الآن حالة الطوارئ الصحية على المجتمعات، هدفهم ابتكار أنظمة تتبع رقمية للقضاء نهائيا على الحرية!

هو: الكثيرون اعتبروا ولا زالوا، أن فيروس كورونا عمل إبداعي للهندسة الحيوية، بدعوى أن ما يسمونه ب”الماسونية” تريد الحفاظ على هيمنتها عبر تخفيض عدد سكان العالم، وأن الصينيين والأمريكان يختبرون الفيروسات، ولديهم ترسانة قوية من الأسلحة البيولوجية يعتكفون على تطويرها منذ سنوات للتحكم في الأمن الغذائي والصحي العالمي، وأن هذا الفيروس يساعد النيوليبرالية على التخلص من كبار السن والمرضى والحمقى باعتبارهم القوى غير منتجة، حتى لا يبقوا عبء على المعاشات التقاعدية…إلخ إلا أن هذا التحليل، وإن كان يتناول ظواهر قائمة، يعوزه الكثير من المعقولية لأنه يستند إلى مفهوم التآمر ويحاسب النوايا أكثر مما يقدم قرائن علمية مقنعة. شخصيا يبدو لي كل من يرد أزمات العالم إلى ما يسمى ب”الماسونية”، كمن يفسر كل الأحداث الشريرة بمقولة “الشيطان” الجاهزة. إن الماسونية هي الشيطان المارد في نظر معتنقي عقيدة نظرية المؤامرة!!

هي: هناك تحقيقات مكتفة تقودها مؤسسات دولية وستقود بدون شك إلى إظهار الحقيقة

هو: التحقيقات الدولية لا تختلف عن التحقيقات التي تجرى عندنا، منذ أن رشدت وأنا أسمع عن التحقيقات دون أن أرى محاكمات!! صحيح ستتشكل لجان وسيكثر اللغو ويطول الانتظار إلى أن يحين موعد حدث آخر ينسينا في سابقه، هكذا دواليك! أو في أحسن الأحوال سيقع تواطؤ دولي على الحقيقة بتقديم أحد أكباش الفداء إلى الرأي العام وإلقاء اللوم عليه، واتهامه بالتآمر على حياتنا وأمننا الصحي والاقتصادي، وقد يكون هذا الكبش جماعة عرقية، أو دولة معينة، أو شركة متعددة الجنسيات، أو مختبر…إلخ

هي: صحيح أن التلاعب بالتحقيقات أمر وارد جدا! لكن توجد فرضية تتدوال في صفوق العامة والخاصة المتخصصون الذين ذهب بعضهم إلى اعتبار أن فيروس كوفيد ١٩ صنع في الصين وهو سلاح بكتريولوجي وكيميائي، وأن الحجر الصحي الصارم ليس ضرورة طبية وإنما مؤامرة صينية و أمريكية طبخت وراء الكواليس، الغرض منها إعادة صنع العالم الجديد!

نظرية المؤامرة ليست حكرا على عامة الناس، بل حتى خاصتهم يؤمنون بها، ألم تقرأ المقال العلمي الأخير لعالم الفيرسات الشهير لوك مونتانييه مكتشف فيروس نقص المناعة البشري المسبب لمرض الايدز، والحائز على جائزة نوبل، الذي أثبت الصلة بين فيروس كوفيد ١٩ وبين فيروس الإيدز، وبين أن هذا الفيروس ليس حدث طبيعي وإنما صناعة مختبرية نجمت عن تجارب البحث عن لقاح الايدز بمختبر البحث الفيروسي في ووهان الصينية.

هو: سمعت تصريحا لهذا العالم يقدم فيه فرضية وليس إثباتا علميا يبرهن على صلة فيروس كوفيد 19 بفيروس نقص المناعة البشري، وبالتالي ما جاء به يسبح في مدار الرأي وليس العلم. لذا فالفرق بين ما جاء به لوك مونتانييه وباقي الإشاعات المتداولة عالميا حول هذا الوباء يختلف في الدرجة وليس في النوع!

إن الخوف يولد دائما الكثير من الشائعات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشيء مباغث وغير معروف مثل هذا الفيروس. كثر الحديث مؤخرا وبشكل متزايد عن كون هذا الوباء هو اعلان تاريخي عن بداية حرب ميكروبيولوجية وكميائية هجينة تقوم مقام الحرب النووية، وأن أصحاب المليارات العالمية مثل بيل غيتس هو من خلق الفيروس، وحضيت هذه الإشاعات بشعبية كبيرة في صفوف المحافظين والليبرالين على حد السواء، كما لاقت تأييدا كبيرا في صفوف أنصار اليمين المتطرف وأحيانا اليسار المتطرف أيضا في العالم.

هي: أراك تبالغ في التشكيك في فكرة أن جهة ما أو شخص ما اخترع هذا الفيروس لإبقاء الجميع في المنازل، وتدمير الاقتصاد!!

هو: الشك هو أول قواعد المنهج العلمي، والألفة مع العالم هي أكبر عائق معرفي يحول دون بناء معرفة جديرة بالعلمية.
أعتقد أن نظرية المؤامرة من أكبر النظريات العامية ذيوعا في العالم ومنذ القدم. يؤمن بها الساسة الشعبوين، ورجال الاقتصاد، والإعلام ، ورجال الدين…إلخ حتى الأديان تفترض دائما وجود غريب أو عدو خارجي يتآمر على وحدتنا وأمننا الروحي وعقيدتنا،

ألم ينسب ديننا كل الشرور إلى الشيطان منذ الخطيئة الأولى التي طرد بسببا جدنا آدم من الفردوس الأعلى، مرورا بكل الخطايا التي يقترفها الناس ويتحمل الشيطان مسؤوليتها، الشيطان ظل الشماعة التي تعلق عليه كل الشرور والمآسي لسبب بسيط هو أنه لا يتكلم لكي يدافع عن نفسه، لو تكلم لانفضحت اللعبة من ألفها إلى يائها.

إن تشكيكي في عقيدة المؤامرة يجد مبرره في نقدي لثنائية الخير والشر التي تنهض عليها، والتي يتم بموجبها شيطنة الآخر المدنس وتمليك (الملاك) الأنا المقدس.

تبين الأبحاث التي أجراها علماء النفس الاجتماعي ، علماء الاجتماع، علماء السياسة، وعلماء الأنثروبولوجيا…أن التنشئة الاجتماعية والدينية والتربية التي يتلقاها الأفراد منذ الطفولة تخلق لديهم استعدادات أولية وميولات عنصرية مطبوعة بالتقوقع على الذات وكراهية المختلف والنظر إليه ككائن غريب ودخيل وخطر على هويتهم وأمنهم وحياتهم. ولعل هذا ما يفسر في نظري ذيوع نظرية التآمر في شتى مناحي الحياة الاجتماعية وفي كل المحتمعات والثقافات.

هي: ما فهمته من قولك هو أن نظرية المؤامرة هي نظارة الأشخاص غير المؤهلين لرؤية وفهم وشرح ما يعتمل في العالم. ولكن هناك أشخاص متعلمون جدا يؤمنون ويروجون لنظريات المؤامرة.

هو: معضلة نظرية المؤامرة أنها وهم، والوهم هو خلل في في الفهم وتشوه يشوب الإدراك يصعب تصحيحه عكس الخطأ القابل للتصحيح!! ولا يوجد أحد بمنأى عن التوهم والتفكير الإيديولوجي بصرف النظر عن كونه متعلما أم جاهلا.
إننا جميعا نعيش في عالم معقد جدا. ونحن مشمولون بعدد كبير من المعلومات المتدفقة والاشاعات والمعتقدات والأيديولوجيات والأوهام والأحداث المستجدة التي تتطلب منا تفسيرا سريعا للتحكم فيها، مما يجعل من الوهم ملاذا للكسلاء والعاجزين عن إعمال العقل وممارسة التفكير النقدي الملي والموضوعي.

عندما يشعر الناس بالخطر  وبأن واقعهم مهدد بالخروج عن السيطرة يلجؤون إلى نظريات المؤامرة لفهم ما يحدث بطريقة ما حتى ولو كانت غير منطقية فهذه النظريات تمنحهم إحساسا أكبر بالسيطرة خصوصا وأن لا أحد يحتمل العشوائية أو عدم اليقين أو الخواء المعرفي أو الخوف من المجهول الذي يبقى مصدر كل الأوهام

وهذا ما أظهرة بمنتهى الجلاء حدث كورونا الكارثي الذي كان أرضية خصبة لذيوع وتقاسم العديد من الإشعاعات من قبيل أن القرفة أو الثوم يعالج هذا الفيروس، وأن الغاية من نشر هذا الداء هو حجر ساكنة العالم في “معسكرات الإعتقال الرقمي” وتهييئها نفسيا للقاح تثبت عبره شارئح إلكترونية للجيل الخامس من الثورة الاتصالية الخلوية، بهدف التحكم في كل تفاصيل حياة الأفراد وتقييد حريتهم وتحركاتهم والتعرف على ميولاتهم ومواقفهم.

هي: لا يوجد علم بريء، ففي كل علم القليل من الأيديولوجيا وفي كل ايديولوجيا القليل من العلم كما يقول آدم شافت. ومعلوم أن الوهم هو حارس نظامنا النفسي كما يقول نيتشه. والوهم هو من يوحدنا أليس الوطن وهم موحد، واللغة والعقيدة والقومية والقبيلة والفريق الرياضي…إلخ

هو: صحيح أن الوهم والإيديولوجيا جزء لا يتجزأ من ماهية أي تفكير وأي علم. لكن هناك فرق بين الوعي بالوهم والتوجس منه، وبين الإنغماس فيه دون شك، وما يميز عمل العلماء والفلاسفة هو سعيهم الحثيث للحد من مفعولات الوهم والرأي والانطباع والميول والقيم والأيديولوجيا والمعتقدات…على عملهم العلمي أو الفلسفي.


فعبر التحليل العلمي، يمكننا إثبات أن نظرية المؤامرة وهم وهي تعبير عن علاقات سلطة وعن أزمة الثقة المفقودة بين الجميع، وهي ملاذ الضعفاء للتغلب على عجزهم والخوف من الأقوياء. فغالبا ما تصك تهم التآمر من العامة إلى الخاصة، ومن الشعب إلى الدولة وليس العكس، وفي بعض الأحيان من الخاصة إلى الخاصة!

هي: بدأت الآن أفهم من تحليلك أن من يعتقد في نظرية المؤامرة، كمن يؤمن بأسطورة ما أو بدين معين، أو كمن يفسر أحداث العالم بقوى الخير والشر، وبالحروب الضارية بين آلهة السماء!

هو: تماما، من يفسر أزمات العالم بعقيدة التآمر كمن يطارد الساحرات.. بينما المطلوب من التحليل الذي يروم العلمية أن ينزع الأسطرة أو السحر عن العالم بلغة ماكس فيبر.

تعليق واحد

Leave A Reply