الرئسيةبيئةدابا tvمجتمع

الانتقال البيئي تحت مجهر المجتمع المدني: 4% فقط للمنازل، من يستنزف ماء المغرب؟+فيديو

احتضن  أحد فنادق رباط، يوم 18 دجنبر الجاري، حفل اختتام مشروع “الجسر الأخضر للانتقال البيئي العادل”، الذي أشرف عليه المعهد المغربي لتحليل السياسات، بمشاركة واسعة لممثلي المجتمع المدني، وباحثين، وخبراء في قضايا البيئة، الماء، الغذاء والطاقة.

اللقاء لم يكن مجرد محطة ختامية لعرض حصيلة مشروع امتد لثلاث سنوات، بل تحوّل إلى فضاء لتقييم نقدي للسياسات البيئية والفلاحية بالمغرب، في سياق يتسم بتصاعد الأزمات المناخية واشتداد الضغط على الموارد الطبيعية، خاصة الموارد المائية.

أهداف المشروع: من التقييم إلى اقتراح البدائل

ووفق الوثيقة التأطيرية للفعالية، يهدف المشروع إلى تقديم الأهداف الأولية والمخرجات النهائية لمبادرة “الجسر الأخضر”، والى إجراء تقييم تشاركي مع منظمات المجتمع المدني المغربي، بصفتهم من الفاعلين المباشرين في تنزيل السياسات البيئية محليا،وتحديد مجالات العمل المستقبلية المرتبطة بالانتقال البيئي العادل.

وقد اشتغل المشروع مع أزيد من 53 منظمة مجتمع مدني موزعة على عدة جهات، من بينها أكادير، وجدة، طنجة، والرباط، مع التركيز على محاور الطاقة، السيادة الغذائية، تدبير المياه، والعدالة المناخية.

كلمات افتتاحية وتحذير من اختزال “الأخضر”

في كلمته الافتتاحية، أكد محمد مصباح، رئيس المعهد المغربي لتحليل السياسات، أن الانتقال البيئي لا يمكن اختزاله في مؤشرات تقنية أو مشاريع معزولة، مشددًا على أن أي تحول أخضر لا يضع العدالة الاجتماعية في صلبه، مآله الفشل أو إنتاج اختلالات جديدة.

من جهتها، اعتبرت النائبة البرلمانية ربيعة بوجة أن النقاش حول الانتقال البيئي يجب أن ينتقل من مستوى الشعارات إلى مساءلة الاختيارات العمومية، خصوصًا في القطاعات الأكثر استنزافًا للموارد.

وفي السياق ذاته، أوضحت مسؤولة المشروع أن مبادرة “الجسر الأخضر للانتقال البيئي العادل” كانت منفتحة على مختلف صناع القرار، وباختلاف خلفياتهم السياسية والمؤسساتية، وتم توجيه دعوات ومذكرات تواصل لعدد من المتدخلين العموميين من أجل التفاعل مع خلاصات المشروع ومخرجاته.

غير أن هذا الانفتاح، تضيف المتحدثة، لم يُترجم إلى تفاعل فعلي، إذ لم تُسجَّل سوى مبادرة برلمانية واحدة تمثلت في طرح سؤال برلماني وحيد، ما يعكس محدودية انخراط الفاعل السياسي في قضايا الانتقال البيئي العادل، رغم راهنيتها وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية.

كما أشارت إلى أن التقييم التشاركي أظهر أن غالبية فعاليات المجتمع المدني تتوفر على إلمام عام بقضايا البيئة، إلا أن هذا الوعي يظل في كثير من الحالات عاما وغير متعمق، ولا يمتد إلى الإشكالات المفصلية المرتبطة بالسياسات العمومية، وتوزيع الكلفة البيئية، والاختيارات الاقتصادية الكبرى التي تنتج الاختلالات البنيوية.

استهلاك الماء… من المسؤول الحقيقي؟

النقاشات كشفت معطى دالا يفنّد الخطاب الرسمي المتداول حول أزمة الماء، حيث تم التأكيد على أن الاستهلاك المنزلي لا يتجاوز 4% من مجموع الاستهلاك المائي، مقابل النسبة الأكبر التي تستهلكها الفلاحة الكبرى الموجهة للتصدير، المرتبطة بالأسواق الخارجية أكثر من ارتباطها بحاجيات السوق الوطنية.

هذا المعطى، بحسب المتدخلين، يطرح تساؤلات جدية حول عدالة توزيع الموارد، في وقت يُطالب فيه المواطن بترشيد استهلاكه اليومي، بينما تستمر الزراعات التصديرية كثيفة الاستهلاك للماء في استنزاف الفرشات المائية.

القمح في صدارة المفارقة

وفي هذا السياق، اعتبرت النائبة البرلمانية ربيعة بوجة أن الارتفاع المهول في واردات القمح يشكّل شهادة وفاة حقيقية لـ“مخطط المغرب الأخضر”، الذي وعد بتحقيق الأمن الغذائي، لكنه انتهى إلى تعميق التبعية للأسواق الخارجية.

وأبرزت المعطيات المقدمة خلال اللقاء أن المغرب استورد سنة 2023 حوالي 5,87 ملايين طن من القمح، بكلفة ناهزت 8,9 مليارات درهم، في وقت أصبح فيه 87% من الاستهلاك الغذائي الوطني مرتبطًا بالخارج، ما يضع البلاد في وضعية هشّة أمام التقلبات الدولية والأزمات الجيوسياسية.

فلاح صغير خارج المعادلة

التقييم التشاركي للمشروع خلص إلى أن السياسات الفلاحية المعتمدة خلال السنوات الماضية همّشت الفلاح الصغير، الذي يشكل أكثر من 50% من النسيج الفلاحي الوطني، مقابل توجيه الدعم والاستثمار نحو الضيعات الكبرى والفلاحة التصديرية.

وأكد المشاركون أن هذا الاختلال البنيوي لا يهدد فقط الأمن الغذائي، بل يفرغ مفهوم الانتقال البيئي من مضمونه الاجتماعي، ويحوّله إلى عبء إضافي على الفئات الهشة.

نحو انتقال بيئي عادل

الجلسة الثانية من اللقاء خُصصت لتقييم المشروع من طرف المستفيدين، عبر نقاشات في مجموعات صغيرة، تمحورت حول تعريف الانتقال البيئي العادل، وسبل إدماجه في عمل المجتمع المدني، واقتراح مبادرات وأنشطة مستقبلية تراعي العدالة المجالية والاجتماعية، وتحديد مجالات التحسين في المراحل القادمة من المشروع.

وقد خلصت التوصيات إلى ضرورة، إشراك فعلي للمجتمع المدني في بلورة السياسات البيئية، وإعادة توجيه الاستثمارات العمومية نحو الأمن الغذائي والمائي، ومراجعة النموذج الفلاحي القائم على التصدير المكثف، مع اعتبار العدالة المناخية شرط  للاستقرار الاجتماعي، لا ترف سياساتي.

الرسالة التي خرج بها اللقاء كانت واضحة لا انتقال بيئي بدون عدالة، ولا سيادة غذائية بدون مراجعة جذرية للاختيارات الفلاحية. فـ“الأخضر”، حين يُبنى على حساب الماء والغذاء، يتحول من حلٍّ مُنتظر إلى أزمة مؤجلة.

https://youtu.be/u0oc4nP0uf4?si=l-S5q5j0r6dlGXEJ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى