البكالوريا تحت الحصار..التلميذ متهم والمنظومة بريئة!
04/06/2026
0
بقلم: جيهان مشكور
تأملوا معي هذا المشهد السريالي الذي يتكرر كل سنة: استنفار أمني، لجان تفتيش تجوب الممرات كأنها تطارد خلايا نائمة، أجهزة كشف المعادن والهواتف تحاصر المراهقين، وكاميرات مراقبة ترصد أنفاس التلاميذ في قاعات امتحانات البكالوريا.
???????????
لو سألت أي أستاذ شريف، أفنى عمره في دهاليز هذا التعليم وماتت في قلبه أوهام “الإصلاح”، سيجيبك بغصّة ساخرة: “على ماذا نخاف كل هذا الخوف؟”.
أي علم نحميه بالضبط؟
يبرر الخطاب الرسمي كل هذا التشديد بالدفاع عن تكافؤ الفرص وحماية قيمة الشهادة وصون المنظومة التعليمية.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أي منظومة تعليمية نحمي؟
هل نحن أمام نظام تعليمي يقود التصنيفات العالمية في البحث العلمي؟
هل جامعاتنا تصدر المعرفة وتنتج الابتكار؟
هل مدارسنا تصنع علماء يغيرون وجه العالم؟
الحقيقة المؤلمة أن المغرب لا يعاني من أزمة غش في الامتحانات بقدر ما يعاني من أزمة تعليم مزمنة.. فالأزمة ليست في التلميذ الذي يبحث عن نقطة إضافية لينجو من امتحان مرهق، بل في منظومة كاملة عجزت لعقود عن إنتاج مدرسة عمومية تمنح أبناء الفقراء والأغنياء الفرص نفسها.. فعندما يصبح الغش أكبر هواجس الدولة التعليمية، بينما تستمر مؤشرات الهدر المدرسي والتفاوتات المجالية وضعف التعلمات الأساسية في التفاقم، فإننا لا نعالج المرض بل ننشغل بقياس حرارة المريض.
xr:d:DADw42UX86o:895,j:29905376031,t:22070121
امتحانات لا تختبر الذكاء بل قدرة التحمل
الواقع المرير يقول إننا لا نملك بحثاً علمياً نخاف عليه أصلاً! فالمنظومة تدفع بهؤلاء الشباب نحو جامعات ومعاهد لا تصنع علماء، بل تخرج عاطلين بشواهد مزينة.. إن هذه الحراسة المشددة لا تحمي المعرفة، بل تحمي “الوهم”؛ تزرع عقد الخوف والشك في نفسية تلميذ يواجه امتحانات تعجيزية، تعتمد على الحفظ الببغائي والاجترار، بدل اختبار العقل التحليلي وروح المبادرة.. فنحن لا نختبر ذكاءهم، بل نختبر قدرة أعصابهم على تحمل منظومة تعاني أصلاً من “عقد نفسية مزمنة و فشل بنيوي”.. فالتلميذ لا يدخل قاعة الامتحان وهو متحمس لإظهار قدراته الفكرية، بل يدخلها وكأنه يتجه نحو جلسة محاكمة مصيرية.. سنوات من التخويف والترهيب تنتهي في ساعات قليلة قد تحدد مستقبله بأكمله.
والمفارقة المقززة التي تجعل المرء يضحك بكاءً، هي هندسة “المحاسبة” في هذا الوطن.. التلميذ المراهق، الذي لا يمثل إلا نفسه ولا يتحمل مسؤولية سوى مستقبله الفردي، يُحاسَب بالمليمتر، ويُجرّم، ويُهدد بالسجن والمتابعة القضائية إن هو استعان بـ “حجيز” صغير يسد به رمق نظام تعليمي فاشل وعاجز عن إفهامه.
في المقابل، وعلى الضفة الأخرى من النهر، يقف كبار مسؤولي البلاد؛ أولئك الذين وُكِّلت إليهم مصائر العباد والبلاد وتسيير القطاعات الحيوية، بلا حسيب ولا رقيب!
تضارب المصالح وزواج السلطة بالمال؟ يمر في واضحة النهار كأنه “بروتوكول” رسمي.
تبديد المال العام والفساد في القطاعات العمومية؟ يُعامل كـ “خطأ في التقدير” أو “سوء تدبير” لا يستوجب العقاب.
هؤلاء الذين يملكون سلطة القرار وهدم ميزانيات ضخمة، يمرون فوق البساط الأحمر دون أن تجرؤ أجهزة الكشف عن الفساد أن تصدر طنيناً واحداً في وجوههم.. و التلميذ يدفع ثمن “غشة” بائسة، بينما الحيتان الكبيرة تبتلع البحر بما رحب دون أن يغصّ حلقها بالمحاسبة.
صناعة جيل خائف بدل صناعة جيل مفكر
الأخطر من الغش ليس ورقة مخبأة في جيب تلميذ، بل عقل تربى على الخوف.
الخوف من الخطأ.
الخوف من الفشل.
الخوف من السؤال.
الخوف من المبادرة.
فالمدرسة التي تزرع الرهبة أكثر مما تزرع الفضول لا تخرج باحثين ولا مبتكرين، بل تخرج أفراداً يتقنون الطاعة أكثر مما يتقنون التفكير.
صكوك الغفران الأكاديمية: البكالوريا للفقراء والماستر لمن يدفع!
وبينما يُجلد تلميذ البكالوريا معنوياً باسم “تكافؤ الفرص” و”نزاهة الشهادة”، نلتفت لنجد أن الشواهد العليا نفسها كانت، وفي قضايا فضائحية مشهودة (كما وقع في ملفات “شواهد قيلش” وغيرها من فضائح الجنس مقابل النقط والماستر المؤدى عنه و حتى الدكتوره)، تُباع وتُشترى في سوق النخاسة الأكاديمية!
أي فصام هذا؟ الشواهد الكبرى ودبلومات الدراسات العليا تُمنح في الكواليس لـ “المحظوظين” وأصحاب النفوذ ومن يملكون ثمن السمسرة، بينما نأتي في امتحان البكالوريا لنمارس دور “الشريف العفيف” الذي لا ينام الليل خوفاً على مصداقية التعليم! إنها الكوميديا السوداء في أبهى تجلياتها: التشدد مع الضعيف لتبييض وجه المنظومة، والتغاضي عن الفساد الهيكلي الذي ينخر رأس الهرم التعليمي والأكاديمي.
تصنيفات الخزي: الأوائل في الفساد.. الأواخر في المعرفة
لو كان هذا التشدد الأمني والزجر البوليسي داخل قاعات الامتحانات يثمر تعليماً حقيقياً، لكان للمغرب شأن آخر في المحافل الدولية.. لكن لغة الأرقام والتصنيفات العالمية لا تجامل أحداً، بل تعري العورات بكامل القسوة:
في تصنيفات جودة التعليم (مثل PISA وهو المعيار العالمي الأبرز الذي تشرف عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لقياس مهارات التلاميذ في الرياضيات، العلوم، والقراءة:)، يحتل المغرب المرتبة 79 عالمياً من بين 81 دولة شاركت في التقييم (ليكون ضمن المراكز الثلاثة الأخيرة عالمياً)، ينافس دولاً تعيش حروباً أهلية ومجاعات.. وفي المقابل، في تصنيفات مؤشر إدراك الفساد (CPI)، نحتل مراتب “متقدمة” جداً، تعكس بوضوح أين تتركز جهود الإبداع الحقيقي في البلاد.
فالتلميذ الذي يجلس في قاعة الامتحان اليوم ليس نتاج سنة دراسية فقط، بل نتاج منظومة كاملة.. نتاج أقسام مكتظة، ومناهج مرتبكة، وإصلاحات لا تنتهي، ووعود لا تتحقق، وتجارب متعاقبة تُجرى على أجيال كاملة كما تُجرى التجارب على فئران المختبرات.. ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يكون المثال الوحيد للنزاهة داخل منظومة فقدت ثقة الجميع.
من يحاسب الفاشلين؟
التلميذ الذي يغش قد يضر نفسه.. أما المسؤول الذي يفشل في إصلاح التعليم فيضر أمة كاملة، ومع ذلك، يبدو أن الأول يواجه رقابة أشد من الثاني.
من الذي حوسب فعلاً على عقود من الإصلاحات التي التهمت مليارات الدراهم دون أن تنجح في تحويل المدرسة العمومية إلى قاطرة للعدالة الاجتماعية؟
من الذي حوسب على أجيال كاملة خرجت من المدارس وهي عاجزة عن اكتساب المهارات الأساسية التي يفترض أن تضمنها أي منظومة تعليمية محترمة؟
ولهذا يبدو المشهد كله حزيناً إلى حد السخرية.. تلميذ محاصر بالأجهزة والشكوك والتهديدات لأنه قد يغش في امتحان، بينما الوطن نفسه ما زال ينتظر منذ عقود امتحاناً أكبر: امتحان بناء مدرسة تنتج المعرفة بدل الخوف، والعقول بدل العقد، والمواطنة بدل الإحباط.. وربما لهذا السبب بالذات، لا يخيفني التلميذ الذي قد يغش في امتحان.
ما يخيفني حقاً هو أن بلداً بأكمله ما زال يعتقد أن مشكلة التعليم تكمن في جيب تلميذ، لا في السياسات التي أوصلت المدرسة إلى هذا المستوى من فقدان المعنى والثقة.