
عمال بلا تغطية صحية رغم إلزامية القانون
بالتزامن مع مواصلة المغرب تفعيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يُعد من أكبر الأوراش الاجتماعية التي تراهن عليها الدولة لتعزيز الولوج إلى الخدمات الأساسية، تبرز حالات ميدانية تثير تساؤلات حول مدى وصول هذه الإصلاحات إلى جميع فئات الأجراء.. وفي هذا السياق، أثار الحسين اليماني، الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالمحمدية، وضعية عمال شركة “اللحوم اللذيذة” التابعة لمجموعة “الكتبية” بالمحمدية، مؤكداً أنهم يعيشون منذ سنوات خارج منظومة التغطية الصحية، رغم الطابع الإجباري الذي يفرضه القانون.
توقف التغطية الصحية وبداية أزمة ممتدة
وأوضح اليماني أن الأزمة بدأت بعد إنهاء العقد الذي كان يربط الشركة بإحدى شركات التأمين الصحي الخاصة، والانتقال إلى نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، غير أن هذا الانتقال، بحسب تصريحه، لم يحقق الغاية المرجوة، نتيجة عدم أداء الشركة للاشتراكات المستحقة، وهو ما ترتب عنه حرمان العمال وأفراد أسرهم من الاستفادة من الخدمات الصحية.
وأشار إلى أن الإدارة تعزو هذا الوضع إلى الصعوبات المالية التي تواجهها الشركة منذ تداعيات جائحة كورونا، معتبراً أن هذه المبررات استُخدمت أيضاً لتفسير عدم تسوية مستحقات الاشتراك لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الأمر الذي أبقى العمال دون حماية صحية في مواجهة تكاليف العلاج والأمراض والإصابات.
تحركات نقابية متعددة دون نتائج عملية
وبحسب اليماني، فإن النقابة لم تكتف بإثارة الملف داخل المؤسسة، بل عملت على طرحه في عدد من المؤسسات المختصة، من بينها جلسات البحث والمصالحة بمديرية الشغل، ولقاءات مع السلطات الإقليمية بالمحمدية، إضافة إلى مراسلة مسؤولي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على المستويين المحلي والمركزي.
ورغم هذه المساعي، يؤكد المتحدث أن الوضع لم يشهد أي تطور، مضيفاً أن العمال ما زالوا يواجهون، إلى جانب غياب التغطية الصحية، تأخر صرف الأجور الشهرية، فضلاً عن تراجع نشاط الشركة، وهو ما يثير، وفق تعبيره، تساؤلات بشأن مستقبل المؤسسة واستقرار مناصب الشغل بها.
دعوة لتفعيل إلزامية القانون وربط النص بالتنفيذ
ويرى الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالمحمدية أن الإشكال لا يتعلق بوجود النصوص القانونية المنظمة للتغطية الصحية، بل بمدى تفعيلها على أرض الواقع، وأوضح أن إلزامية التأمين الصحي، كما ينص عليها القانون، تستوجب اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان استفادة جميع الأجراء منها، معتبراً أن فعالية التشريعات تقاس بمدى تنفيذها وليس بمجرد صدورها.
وفي هذا الإطار، دعا إلى تحريك مختلف المساطر القانونية لإلزام المشغل بأداء الاشتراكات المستحقة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كما اقترح، في حال استمرار التعثر، فتح المجال أمام هؤلاء العمال للاستفادة من آليات التضامن الاجتماعي بما يضمن استمرار استفادتهم من العلاج والتغطية الصحية.
مراجعة دور الصندوق في التعامل مع المقاولات المتعثرة
وفي جانب آخر من تصريحه، توقف اليماني عند طريقة تعامل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مع المقاولات التي تواجه صعوبات مالية، معتبراً أن اللجوء إلى إجراءات الحجز والتحفظ على الحسابات البنكية قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى تعميق الأزمة المالية للمقاولة، وربما التعجيل بإغلاقها وفقدان مناصب الشغل.
وانطلاقاً من ذلك، دعا إلى اعتماد مقاربة تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، تقوم على مواكبة المقاولات المتعثرة ومساعدتها على تجاوز أزماتها، بما يضمن في الوقت نفسه استخلاص مستحقات الصندوق والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي وحقوق العمال.
ملف يطرح أسئلة حول فعالية الحماية الاجتماعية
ويخلص تصريح الحسين اليماني إلى أن وضعية عمال شركة “اللحوم اللذيذة” لا تمثل، وفق تقديره، حالة معزولة، بل تعكس وجود حالات مشابهة تستدعي، بحسب رأيه، تدخلاً من مختلف المتدخلين، سواء السلطات التشريعية والتنظيمية أو أجهزة المراقبة وإدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة النقاش حول التحديات المرتبطة بتنزيل ورش الحماية الاجتماعية، ومدى قدرة مختلف المؤسسات على ضمان استفادة جميع الأجراء من الحقوق التي يكفلها القانون، خاصة في ظل الصعوبات الاقتصادية التي تواجه بعض المقاولات، وما يترتب عنها من انعكاسات مباشرة على الأمن الاجتماعي والمهني للعمال وأسرهم.





