
يبدو إدريس لشكر، في هجومه الأخير على فوزي لقجع، وكأنه يريد أن يخوض معركة مبدئية حول حدود توظيف الشعبية الرياضية والرمزية الملكية في التنافس الانتخابي. لكن، إذا وضعنا هذا الموقف في سياقه السياسي والزمني، يصعب النظر إليه باعتباره مجرد دفاع عن قواعد أخلاقية أو دستورية للعملية الانتخابية. إنه، قبل كل شيء، مناورة انتخابية محسوبة، تحاول استثمار شخصية تحظى بحضور جماهيري واسع، وتحويل انضمامها إلى حزب الأصالة والمعاصرة إلى مادة للصراع السياسي.
يصعب النظر إلى مواقف باعتباره مجرد دفاع عن قواعد أخلاقية أو دستورية للعملية الانتخابية
إذا وضعنا هذا الموقف في سياقه السياسي والزمني، يصعب النظر إليه باعتباره مجرد دفاع عن قواعد أخلاقية أو دستورية للعملية الانتخابية.
إنه، قبل كل شيء، مناورة انتخابية محسوبة، تحاول استثمار شخصية تحظى بحضور جماهيري واسع، وتحويل انضمامها إلى حزب الأصالة والمعاصرة إلى مادة للصراع السياسي.
لا شك أن لشكر يطرح أسئلة مشروعة عندما يحذر من الخلط بين المسؤولية الرياضية والانتماء الحزبي، أو من توظيف الرمزية الملكية في الدعاية الانتخابية.
الحقيقة تكمن بأنها ليست سوى واحدة من نتائج أزمة أعمق بكثير
لكن المشكلة تبدأ عندما يقدم هذه الأسئلة وكأنها تمثل جوهر الأزمة السياسية المغربية، بينما هي في الحقيقة ليست سوى واحدة من نتائج أزمة أعمق بكثير.
فإذا كان المطلوب فعلا هو الدفاع عن نزاهة المنافسة الانتخابية، فالسؤال الذي كان يفترض أن يذهب إليه لشكر أبعد من لقجع: ما الذي جعل الانتخابات نفسها تفقد جزءا من قدرتها على إنتاج الثقة؟
لماذا أصبح النقاش السياسي ينشغل بمن يدخل هذا الحزب أو ذاك، ومن يملك شعبية أكبر، ومن يستطيع تحويل حضوره الجماهيري إلى أصوات، بينما لا يكاد يقترب من السؤال المتعلق بحدود الفعل الانتخابي نفسه؟
هنا يصبح خطاب لشكر انتقائيا، فهو يهاجم استثمار شعبية كرة القدم، لكنه لا يذهب إلى مساءلة البيئة السياسية التي تجعل من هذه الشعبية، ومن الموقع الإداري، ومن الحضور المؤسساتي، أوراقا انتخابية بالغة القوة.
لشكر لا يفتح النقاش الأكبر حول العلاقة بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب
يعترض على توظيف التعيين الملكي في الخطاب الحزبي، لكنه لا يفتح النقاش الأكبر حول العلاقة بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب، وهي إحدى أكثر القضايا حساسية في فهم أزمة السياسة المغربية اليوم.
وهذا هو السؤال الذي يبدو أن لشكر يتجنبه، ربما لأنه أكثر كلفة سياسيا من مهاجمة لقجع.
فالحديث عن أن الملك لجميع المغاربة كلام صحيح ولا يحتاج إلى كثير من الجهد لإثباته، كما أن التنبيه إلى ضرورة عدم توظيف الرمزية الملكية في التنافس الحزبي مسألة تستحق النقاش.
لكن الاكتفاء بذلك يجعل النقاش يدور حول كيفية استعمال الرموز، بدل أن ينتقل إلى السؤال المتعلق بـ كيفية توزيع السلطة وصناعة القرار.
وهنا تحديدا يظهر الفرق بين الموقف المبدئي والمناورة السياسية.
الموقف المبدئي كان سيقتضي من لشكر أن يضع هذه القضية ضمن سؤال أكبر: هل أصبحت الانتخابات في المغرب قادرة فعلا على إنتاج التغيير السياسي الذي ينتظره المواطن؟ وهل المؤسسات المنتخبة تملك من النفوذ والتأثير ما يكفي لجعل المواطن يرى في صوته أداة حقيقية لصناعة القرار؟ وهل جرى، منذ دستور 2011، الوفاء فعلا بالروح التي قامت عليها الوثيقة الدستورية، أم أن الممارسة السياسية أعادت إنتاج كثير من الآليات القديمة بأشكال جديدة؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع المعنى الحقيقي للانتخابات.
أما تحويل لقجع إلى عنوان للمعركة، فهو أسهل بكثير، فلقجع شخصية مثيرة للجدل، ويحظى بشعبية واسعة، وانضمامه إلى حزب سياسي قبل أسابيع قليلة من الانتخابات يوفر مادة مثالية لسجال انتخابي يجمع بين الرياضة والسياسة والرمزية الوطنية، ولذلك فإن مهاجمته قد تكون ناجحة انتخابيا وإعلاميا، لكنها لا تعني بالضرورة أنها عميقة سياسيا.
بل إن المفارقة أن لشكر نفسه، وهو يقود حزبا يوجد في المعارضة، يعرف أن المشكلة ليست في فوزي لقجع وحده. المشكلة في بنية سياسية كاملة جعلت الانتقال من موقع إلى آخر، ومن مسؤولية إلى أخرى، ومن فضاء مؤسساتي إلى فضاء حزبي، مادة أساسية في تشكيل النخب والنفوذ.
ولذلك فإن السؤال ليس: هل يحق للقجع أن ينتمي إلى حزب؟، بالطبع يحق له، وليس السؤال أيضا: هل يجوز له أن يستثمر شعبيته؟، هنا ينبغي الاحتكام إلى القانون وقواعد المنافسة الانتخابية.
السؤال الأكثر إزعاجا هو: لماذا أصبحت الشعبية الشخصية والموقع المؤسساتي والقدرة على الوصول إلى دوائر القرار أكثر حضورا في النقاش الانتخابي من البرامج والأفكار والمشاريع السياسية؟
وهذا سؤال لا يستطيع لشكر أن يوجهه إلى لقجع وحده، لأنه يعود أيضا إلى الأحزاب التي قبلت منذ سنوات أن تتحول السياسة فيها من فضاء لإنتاج الأفكار إلى فضاء لاستقطاب الوجوه والأسماء والرموز القابلة للتسويق، ومن أحزاب لصناعة البرامج وقيادة تنفيذها لأحزاب تنفيذ برامج موضوعة سلفا.
استحضار دستور 2011 لا ينبغي أن يكون انتقائيا
ثم إن استحضار دستور 2011 لا ينبغي أن يكون انتقائيا، لا يكفي أن نستدعي مقتضى دستوريا عندما يخدم معركة انتخابية، ثم نتجاهل الروح العامة للدستور عندما يتعلق الأمر بتعزيز مكانة المؤسسات المنتخبة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتقوية دور الحكومة والبرلمان وإعادة الاعتبار للفعل السياسي.
إذا كان لشكر يريد فعلا الدفاع عن روح دستور 2011، فالمطلوب منه ليس فقط أن يعترض على استغلال الرمزية الملكية، وإنما أن يذهب إلى السؤال الذي يسبق كل الانتخابات: هل نحن أمام ديمقراطية انتخابية قادرة على إنتاج سلطة سياسية ذات معنى، أم أمام انتخابات تجري داخل منظومة أوسع تظل فيها سلطة الانتخاب محدودة أمام سلطة التعيين؟، ذلك هو جوهر المسألة.
أما الاشتباك مع لقجع، مهما كان صاخبا ومثيرا، فيبقى في نهاية المطاف اشتباكا مع أحد أعراض المشكلة، لا مع المشكلة نفسها.
ولذلك قد يكون لشكر قد ربح مناورة انتخابية صغيرة، لكنه لم يربح بالضرورة المعركة السياسية الكبرى.
فقد نجح في نقل النقاش إلى ملعب يعرف كيف يلعب فيه الجميع: الشعبية، والرموز، والتعيينات، والأحزاب. لكنه لم يقترب بما يكفي من الملعب الذي لا تزال السياسة المغربية تتحاشى اللعب فيه: من يملك القرار فعلا، ومن تمنحه الانتخابات سلطة حقيقية على صناعة ذلك القرار؟
وهنا تحديدا ينبغي أن يبدأ النقاش، لا أن ينتهي.
لأن أزمة الانتخابات ليست في أن فوزي لقجع دخل السياسة، وإنما في أن السياسة نفسها لم تعد تقنع قطاعات واسعة من المغاربة بأن دخولهم إليها عبر صناديق الاقتراع يمكن أن يغير شيئا جوهريا في موازين القرار.
وهذه، في النهاية، قضية أكبر بكثير من لقجع وأكبر حتى من لشكر نفسه.





