
تحرير بثينة المكودي
مع كل نسخة جديدة من كأس العالم، تتجدد مشاعر الحماس والانتماء، وتلتف الجماهير حول منتخباتها الوطنية في مشهد يعكس عشق كرة القدم باعتبارها اللعبة الأكثر شعبية في العالم. لكن هذا الشغف، إذا فقد توازنه، قد يتحول إلى تعصب أعمى يهدد قيم الرياضة ويغذي الكراهية والعنف داخل الملاعب وخارجها.
حيث أن المتابع لأجواء مونديال 2026 يلاحظ أن المنافسة لم تعد تقتصر على المستطيل الأخضر، بل امتدت إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت بعض النقاشات الرياضية إلى حملات إساءة وتنمر وتحريض، ووصل الأمر أحيانا إلى استهداف اللاعبين والحكام والجماهير بعبارات عنصرية وخطابات كراهية لا تمت للروح الرياضية بصلة.
من التشجيع إلى التعصب
لا أحد يرفض الانتماء لمنتخب أو الدفاع عنه، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الفوز معيارا وحيدا للحكم على الآخرين، وعندما تتحول الخسارة إلى مبرر للإهانة والاعتداء اللفظي أو حتى الجسدي.
جدير بالذكر أن التعصب الكروي لا يولد فجأة، بل يبدأ بالمبالغة في الانفعال، ثم برفض الرأي المخالف، قبل أن يتطور إلى سلوك عدواني ينعكس على العلاقات الاجتماعية ويخلق حالة من الاحتقان بين الجماهير.
وسائل التواصل تضاعف الأزمة
ساهمت المنصات الرقمية في توسيع دائرة التعصب، إذ أصبحت التعليقات المسيئة تنتشر في ثوان معدودة، وتتحول إلى موجات من السخرية والتنمر ضد اللاعبين أو المنتخبات بعد كل مباراة.
وفي كثير من الأحيان، يتجاوز الأمر حدود النقد الرياضي المشروع ليصل إلى الإساءة للأشخاص أو لجنسياتهم أو أعراقهم، وهو ما يتنافى مع القيم الإنسانية التي يفترض أن تجمعها الرياضة.
الإعلام… مسؤولية لا تقل أهمية
يقع على وسائل الإعلام دور محوري في الحد من التعصب، من خلال الابتعاد عن العناوين المستفزة أو الخطابات التي تؤجج مشاعر الجماهير، والالتزام بالتحليل المهني الذي يحترم جميع الأطراف.
كما أن البرامج الرياضية مطالبة بنشر ثقافة تقبل الهزيمة والانتصار، وإبراز أن كرة القدم ليست معركة وجود، وإنما منافسة تنتهي بانتهاء صافرة الحكم.
الأسرة والمدرسة شريكان في التربية الرياضية
لا يمكن مواجهة التعصب دون دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في غرس قيم الاحترام والتسامح لدى الأطفال والشباب، وتعليمهم أن المنافس ليس عدوا، وأن الاختلاف في التشجيع لا يفسد العلاقات الإنسانية.
فالطفل الذي يشاهد والديه يتقبلان الهزيمة بروح رياضية، سيكون أكثر قدرة على التحكم في انفعالاته واحترام الآخرين مستقبلا.
تشجيع حضاري… مسؤولية الجميع
يبقى المشجع الحقيقي هو من يساند فريقه دون أن يسيء إلى غيره، ويحتفل بالفوز دون شماتة، ويتقبل الخسارة دون عنف أو كراهية.
فكأس العالم ليس مجرد بطولة لتحديد البطل، بل مناسبة تجمع شعوبا وثقافات مختلفة تحت راية الرياضة. وإذا نجحنا في ترسيخ ثقافة التشجيع الحضاري، فإن الانتصار الحقيقي لن يكون في رفع الكأس فقط، بل في ترسيخ قيم الاحترام والتسامح والتعايش التي تجعل كرة القدم جسرا للتقارب بين الشعوب، لا سببا للانقسام بينها.




